لوحةُ المذهبِ الحنفيّ

السندُ والأعلامُ عبرَ الزمان

من مدرسةِ الكوفةِ إلى تحريرِ ابنِ عابدين · بالتقويمِ الهجريّ · انقُر أيَّ عالِمٍ لترجمته

أئمّةُ الفتوى من الصحابةِ والتابعين

أئمّةُ الفتوى من الصحابةِ الكرام وفقهاءُ التابعين في الأمصار — انقُر اسمَ التابعيِّ لقراءةِ ترجمته

طبقاتُ الأعلامِ عبرَ العصور

نشأَ المذهبُ في العراقِ تأسيسًا وتدوينًا، ثم بلغَ ذروةَ التصنيفِ في ما وراءَ النهر، ونضِجَ تحقيقًا وحواشيَ في مصرَ والشامِ والرُّوم حتى استقرّت الفتوى على «الدُّرِّ المختار» وحاشيةِ ابنِ عابدين.

الدُّرُّ المختار

شرحُ «تنويرِ الأبصارِ وجامعِ البحار»
«أجمعُ كتابٍ في المذهبِ الحنفيّ على صِغرِ حجمِه» — عمدةُ المتأخّرين

📖تعريفُ الكتابِ وأصلُه

هو شرحٌ لمتنِ «تنويرِ الأبصارِ وجامعِ البحار» للعلّامةِ شمسِ الدينِ التمرتاشيِّ الغزّيّ (ت ١٠٠٤هـ)، أتمَّه الإمامُ الحصكفيُّ سنةَ ١٠٨١هـ. جمعَ فيه خلاصةَ الأحكامِ والفتوى من بطونِ الشروحِ والمطوّلات، حتى عُدَّ من أهمِّ مراجعِ الفقهِ الحنفيّ.

🖋️المؤلِّف: علاءُ الدينِ الحصكفيّ

محمدُ بنُ عليٍّ الحصكفيّ، علاءُ الدين (١٠٢٥–١٠٨٨هـ)، وُلِدَ ونشأ وتوفّيَ بدمشق. تولّى منصبَ إفتاءِ الحنفيّةِ بها، وكان عالمًا موسوعيًّا في الفقهِ وأصولِه والنحوِ والتفسير، لا يُسنَدُ منصبُ الإفتاءِ إلّا لمن أقرَّ له علماءُ عصرِه بالتقدّم.

✍️منهجُه: «السبكُ العجيبُ والنظمُ البديع»

اعتمدَ الحصكفيُّ الإيجازَ الشديدَ مع شمولِ المعنى، فغربلَ ما في المطوّلاتِ والشروحِ والفتاوى واختارَ المُفتى به، وصاغَه في قالبٍ مركَّزٍ دقيق. وقد مكّنَ هذا الأسلوبُ الفقهاءَ من الإحاطةِ بمسائلَ كثيرةٍ في حيِّزٍ ضيّق، لكنّه تطلّبَ حواشيَ تفكُّ عباراتِه — فكان من ثمرتِه ظهورُ الحواشي الكبرى.

مميِّزاتُ الكتاب

  • الإيجازُ مع الشمول: أجمعُ كتابٍ في المذهبِ رغمَ صِغرِ حجمِه.
  • جودةُ الصياغة: «نظمٌ بديع» يجمعُ دقّةَ المعلومةِ وجمالَ اللفظ.
  • الذيوعُ والقبول: طارت شهرتُه في الآفاقِ فصارَ عمدةَ المتأخّرين.

⚖️التمرتاشيُّ (المتن) والحصكفيُّ (الشرح)

بنى التمرتاشيُّ المتنَ الجامع ليكون أصلًا شاملًا يُحفظُ ويُدرَّس (جامعُ البحار)، بينما قدّمَ الحصكفيُّ الخلاصةَ المصفّاة بأسلوبٍ مركَّزٍ دقيق. ثم جاءَ ابنُ عابدين فقامَ بالتوثيقِ والتحقيقِ النهائيِّ لتلك الآراء.

📚الحواشي على الدُّرِّ المختار

  • ردُّ المحتار لابنِ عابدين (ت ١٢٥٢هـ) — أجلُّ الحواشي وأتمُّها وأعظمُها نفعًا، والأشهرُ على الإطلاق.
  • حاشيةُ الطحطاويّ (ت ١٢٣١هـ) — سبقت حاشيةَ ابنِ عابدين، واشتهرت بفكِّ رموزِ المتنِ وتوضيحِ عباراتِه الدقيقة.
  • نزهةُ النظر — تعليقاتٌ علميّةٌ توضّحُ المسائلَ التي أوردها الحصكفيُّ بإيجاز.

🔍منهجُ ابنِ عابدينَ في «ردِّ المحتار»

  • التحريرُ والترجيح: فحصُ الأقوالِ وتمييزُ المعتمَدِ للفتوى من الضعيفِ والمرجوح.
  • فكُّ العباراتِ المركَّزة: بسطُ سبكِ الحصكفيِّ الموجزِ وقطعُ دابرِ التأويلِ الخاطئ.
  • استيعابُ المطوّلات: الرجوعُ إلى أمّهاتِ الكتبِ واستخلاصُ زبدتِها.
  • الربطُ بالفتوى: ذكرُ ما عليه العملُ وما استقرَّ عليه المتأخّرون.

🕌مرجعيّةُ الفتوى

استقرَّ العملُ لدى متأخّري الحنفيّةِ ومعاصريهم على أنّ القولَ المعتمَدَ للفتوى هو ما حواهُ «الدُّرُّ المختار» مع تدقيقاتِ حاشيةِ ابنِ عابدين؛ فهما معًا المرجعُ الذي لا يستغني عنه مفتٍ ولا قاضٍ في عامّةِ البلادِ التي تتبعُ المذهبَ الحنفيّ.

🗂️مؤلَّفاتُ الحصكفيِّ الأخرى

  • إفاضةُ الأنوارِ على المنار (أصولُ الفقه)
  • الدُّرُّ المنتقى شرحُ ملتقى الأبحر (فقه)
  • شرحُ قطرِ الندى (نحو)
  • تعليقةٌ على أنوارِ التنزيلِ للبيضاويّ (تفسير)
مقدّمةُ المؤلِّف
خطبةُ الكتابِ ومنهجُ تأليفِه
بسم الله الرحمن الرحيم

حَمدًا لكَ يا مَن شَرَحْتَ صدورَنا بأنواعِ الهدايةِ سابقًا، ونَوَّرْتَ بصائرَنا بتنوير الأبصارِ لاحِقًا، وأَفَضْتَ علينا من أَشِعَّةِ شريعتِكَ المُطهَّرةِ بحرًا رائقًا، وَأَغْدَقْتَ لدينا من بِحَارِ مِنَحِكَ المُوَفَّرةِ نهرًا فائقًا.

وأَتْمَمْتَ نعمتَكَ علينا، حيثُ يَسَّرْتَ ابتداءَ تبييضِ هذا الشرحِ المختصَرِ تُجاهَ وَجْهِ مَنبَعِ الشريعةِ والدُّرَر عليه الصلاة والسلام، وضَجِيعَيْه الجليلَيْن أبي بكرٍ وعُمَر، بعد الإِذْنِ منه صلى الله عليه وسلَّم وعلى آلِه وصحبِه، الذين حازُوا من مِنَحِ فَتْحِ كَشْفِ فَيْضِ فضلِكَ الوافي حقائقًا.

وبعدُ: فيقولُ فقيرُ رحمةِ ذِي اللُّطْفِ الخَفِيِّ محمدٌ علاءُ الدِّينِ الحَصْكَفِيُّ ابنُ الشيخِ عليّ، الإمامُ بجامعِ بني أُميَّةَ، ثم المفتي بدمشقَ المَحميَّةِ الحنفيّ:

لَمَّا بيَّضْتُ الجزءَ الأولَ من: "خزائن الأسرار وبدائع الأفكار في شرح تنوير الأبصار وجامِع البحار"، قدَّرْتُه في عَشْر مجلَّداتٍ كبار، فصَرَفْتُ عِنَانَ العِنايةِ نحوَ الاختصار، وسمَّيتُه بـ: "الدُّر المُختار في شرح تنوير الأبصار"، الذي فاق كُتُبَ هذا الفنِّ في الضبطِ والتصحيح والاختصار.

ولعَمْري! لقد أضحَتْ روضةُ هذا العلم به مُفتَّحةَ الأزهار، مُسَلْسَلةَ الأنهار، من عجائبه ثمراتُ التحقيقِ تُختار، ومن غرائبه ذخائرُ تدقيقٍ تُحَيِّرُ الأفكار، لشيخِ شيخِنا شيخِ الإسلامِ محمدِ بنِ عبد الله التُّمُرْتاشيِّ الحنفيِّ المَقْدسيِّ الغَزِّيِّ، عُمدةِ المتأخرين الأخيار.

فإني أَرْوِيْه عن شيخِنا الشيخِ عبدِ النبيِّ الخَلِيليِّ، عن المصنِّفِ الغزِّيِّ، عن ابنِ نُجَيْمٍ المِصريِّ، بسندِه إلى صاحبِ المذهبِ أبي حنيفة، بسندِه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم المصطفى المختار، عن جبريلَ عليه السلام، عن اللهِ الواحدِ القَهَّار، كما هو مبسوطٌ في إجازاتنا، بطُرُقٍ عديدةٍ، عن المشايخ المتبحِّرين الكبار.

وما كان في "الدُّرَر والغُرَر": لم أَعْزُه إلا ما نَدَرَ، وما زاد، وعَزَّ نَقْلُه: عَزَوْتُه لقائله؛ رَوْمًا للاختصار.

ومَأمولي من الناظرِ فيه أن يَنظرَ بعَيْن الرضا والاستبصار، وأن يَتلافى تِلافَه بقَدْرِ الإمكان، أو يَصفحَ؛ ليَصفَحَ عنه عالِمُ الإسرار والإضمار.

ولعَمري! إنَّ السلامةَ من هذا الخَطَر: لأَمْرٌ يَعِزُّ على البشر، ولا غَرْوَ فإن النسيانَ من خصائصِ الإنسانية، والخطأَ والزَّلَلَ من شعائرِ الآدمية.

وأستغفرُ الله، مستعيذًا به من حَسَدٍ يَسُدُّ بابَ الإنصاف، ويَرُدُّ عن جميلِ الأوصافِ، ألا وإن الحَسَدَ حَسَكٌ، مَن تعلَّق به هَلَك، وكفى للحاسد ذَمًّا: آخرُ سورةِ الفَلَق، في اضطرابه بالقَلَق.

ولله دَرُّ الحَسَدِ ما أعدَلَه، بدأ بصاحبِه فقَتَلَه.

وما أنا من كَيْدِ الحسودِ بآمنٍولا جاهلٍ يَزرِي ولا يتدبَّرُ

ولله دَرُّ القائل:

هم يَحسُدُوني وشرُّ الناسِ كلِّهمُمَن عاش في الناس يومًا غيرَ مَحسُودِ

إذْ لا يَسُودُ سيِّدٌ بدون وَدُودٍ يَمدَح، وحَسُودٍ يَقدَح، لأن مَن زَرَعَ الإِحَنَ: حَصَدَ المِحَن؛ فاللئيمُ يَفضَحُ، والكريمُ يُصلِحُ.

لكن يا أخي بعدَ الوقوفِ على حقيقةِ الحال، والاطِّلاعِ على ما حرَّرَه المتأخرون، كصاحبِ "البحر"، و"النهر"، و"الفَيْض"، والمصنِّفِ، وجَدِّنا المرحوم، وعَزْمي زاده، وأخي زاده، وسعدي أفندي، والزيلعيِّ، والأكملِ، والكمالِ، وابنِ الكمال.

مع تحقيقاتٍ سَنَحَ بها البال، وتلقَّيْتُها عن فُحولِ الرجال، ويأبى اللهُ العِصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابِه، والمُنْصِفُ: مَن اغتَفَرَ قليلَ خطأِ المرءِ في كثيرِ صوابِه.

ومع هذا، فمَن أتقَنَ كتابي هذا: فهو الفقيهُ الماهِرُ، ومَن ظَفِرَ بما فيه: فسيقولُ بمِلْءِ فِيْه: كم تَرَكَ الأولُ للآخِر.

ومَن حَصَّله: فقد حَصَلَ له الحظَّ الوافِر؛ لأنه هو البحرُ لكن بلا ساحِل، ووابِلُ القَطْر غيرَ أنه متواصِل، بحُسْنِ عباراتٍ، ورَمْزِ إشارات، وتنقيحِ معاني، وتحريرِ مباني.

وليس الخُبْرُ كالعِيان، وستَقَرُّ به بعدَ التأمُّلِ العَيْنان.

فخُذْ ما نَظَرْتَ من حُسْنِ رَوْضِه الأسمى، ودَعْ ما سمعتَ عن الحُسْنِ وسَلْمى.

خُذْ ما نَظَرْتَ ودَعْ شيئًا سمعتَ بهفي طلعةِ الشمسِ ما يُغنيكَ عن زُحَل

هذا وقد أضحَتْ أعراضُ المُصنِّفين أغراضَ سِهَامِ ألسنةِ الحُسَّاد، ونفائسُ تصانيفِهم معرَّضةً بأيديهم، تَنتَهِبُ فوائدَها، ثم تَرميها بالكساد:

أخا العلمِ لا تعجَلْ بعيبِ مصنِّفٍولم تتيقَّنْ زَلَّةً منه تُعرَفُ
فكم أفسَدَ الراوي كلامًا بعقلِهوكم حَرَّفَ الأقوالَ قومٌ وصحَّفُوا
وكم ناسِخٍ أضحى لمعنىً مُغَيِّرًاوجاء بشيءٍ لم يُرِدْه المُصنِّفُ

وما كان قَصْدي من هذا أن يُدرَجَ ذِكْري بين المحرِّرين من المصنِّفين والمؤلِّفين.

بل القصدُ رياضةُ القريحة، وحِفظُ الفروعِ الصحيحة، مع رجاءِ الغُفران، ودعاءِ الإخوان.

وما عليَّ من إعراضِ الحاسدين عنه حالَ حياتي، فسيتلقَّوْنه بالقَبول إن شاء الله تعالى بعد وفاتي، كما قيل:

ترى الفتى يُنكِرُ فضلَ الفتىلُؤْمًا وخُبْثًا فإذا ما ذَهَبْ
لَجَّ به الحِرصُ على نُكْتةٍيَكتُبُها عنه بماءِ الذَّهَبْ

فهناكَ مؤلَّفًا مهذِّبًا لمُهمَّاتِ هذا الفنِّ، مُظهِرًا لدقائقَ استَعمَلْتُ الفِكْرَ فيها إذا ما الليلُ جَنَّ، متحرِّيًا أرجحَ الأقوال، وأوجزَ العبار، معتمِدًا في دَفْعِ الإيرادِ ألطفَ الإشارة، فربما خالفتُ في حُكْمٍ أو دليلٍ، فحَسِبَه مَن لا اطَّلاعَ له ولا فَهْمَ عدولًا عن السبيل، وربما غيَّرْتُ تَبَعًا لِمَا شَرَحَ عليه المصنِّفُ كلمةً أو حرفًا، وما درى أن ذلك لنُكْتةٍ تَدِقُّ عن نَظَرِه وتَخفى.

وقد أنشدني شيخي الحَبْرُ السامي، والبحرُ الطامي، واحدُ زمانِه، وحَسَنَةُ أَوَانِه، شيخُ الإسلام الشيخُ خيرُ الدين الرملي، أطال الله بقاءَه:

قُلْ لمَن لم يرَ المعاصِرَ شيئًاويرى للأوائل التقديما
إنَّ ذاكَ القديمَ كان حديثًاوسيَبقى هذا الحديثُ قديمًا

على أن المقصودَ والمرادَ: ما أنشدنيهِ شيخي وبركتي ووليِّ نعمتي، رأسُ المحققين والمدققين والنُّقَّاد، محمد أفندي المَحَاسِنيُّ، وقد أجاد:

لكلِّ بني الدنيا مرادٌ ومَقصِدٌوإنَّ مرادي صحةٌ وفراغُ
لأَبلُغَ في علمِ الشريعةِ مَبْلَغًايكونُ به لي في الجِنَان بلاغُ
ففي مِثلِ هذا فليُنافِسْ أولو النُّهىوحسبي من الدنيا الغَرورِ بلاغُ
فما الفوزُ إلا في نعيمٍ مؤبَّدٍبه العيشُ رَغَدٌ والشرابُ يُسَاغ
تعريفُ الفقهِ وفضلِه
في تعريفِ الفقهِ وموضوعِه وفضلِه ومناقبِ الإمام

حَقٌّ على كلِّ مَن حاوَلَ علمًا ما: أن يَتصوَّرَه بحَدِّه، أو رَسْمِه، ويَعرِفَ موضوعَه، وغايتَه، واستمدادَه.

فالفقهُ: لغةً: العلمُ بالشيء، ثم خُصَّ بعِلْمِ الشريعة.

وفَقِهَ: بالكسر: فِقْهًا: عَلِمَ ، وفَقُه: بالضم: فَقَاهَةً: صار فقيهًا.

واصطلاحًا عندَ الأُصوليين: العلمُ بالأحكام الشرعيةِ الفرعيةِ، المكتسبُ من أدلَّتِها التفصيلية.

وعندَ الفقهاء: حِفْظُ الفروع، وأقلّه ثلاثٌ.

وعندَ أهلِ الحقيقة: الجمعُ بين العلمِ والعملِ؛ لقول الحسنِ البصري: "إنما الفقيهُ: المُعرِضُ عن الدنيا، الزاهدُ في الآخِرة، البصيرُ بعيوبِ نفسِه".

وموضوعُه: فِعْلُ المكلَّفِ ثبوتًا، أو سَلْبًا.

واستمدادُه: من الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماع، والقياس.

وغايتُه: الفوزُ بسعادة الدارَيْن.

وأما فضلُه: فكثيرٌ شهيرٌ، ومنه: ما في "الخلاصة"، وغيرِها: النظرُ في كُتُبِ أصحابِنا من غيرِ سَمَاعٍ: أفضلُ من قيام الليل.

وتعلّمُ الفقهِ: أفضلُ من تعلُّم باقي القرآن، وجميعُ الفقهِ لا بدَّ منه.

وفي "المُلتَقَط"، وغيرِه، عن محمدٍ: "لا ينبغي للرجل أن يُعرَفَ بالشعر والنحو؛ لأن آخِرَ أَمْرِه إلى المسألةِ، وتعليمِ الصبيان.

ولا بالحساب؛ لأن آخِرَ أَمْرِه: إلى مساحةِ الأرَضِيْن.

ولا بالتفسير؛ لأن آخِرَ أمْرِه إلى التذكير، والقَصَص.

بل يكونُ علمُه: في الحلال والحرام، وما لا بدَّ منه من الأحكام".

كما قيل:

إذا ما اعتزَّ ذو علمٍ بعلمٍفعِلْمُ الفقهِ أوْلى باعتزازٍ
فكم طِيْبٍ يَفوحُ ولا كمِسْكٍوكم طَيْرٍ يطيرُ ولا كبَازِ

وقد مَدَحَه الله تعالى بتسميتِه خيرًا، بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ (البقرة: ٢٦٩)

وقد فَسَّر الحكمةَ زُمرةُ أربابِ التفسير بعلم الفروع، الي هو علمُ الفقه، ومِن هنا قيل:

وخيرُ علومٍ علمُ فقهٍ لأنهيكونُ إلى كلِّ المعالي توسُّلا
فإنَّ فقيهًا واحدًا متورِّعًاعلى ألفِ ذي زُهدٍ تفضَّلَ واعتلا

وهما مأخوذان مما قيل للإمام محمدٍ:

تفقَّه فإن الفقهَ أفضلُ قائدٍإلى البِرِّ والتقوى وأعدلُ قاصدِ
وكُنْ مستفيدًا كلَّ يومٍ زيادةًمن الفقهِ واسبَحْ في بحورِ الفوائدِ
فإن فقيهًا واحدًا متورِّعًاأشدُّ على الشيطانِ من ألفِ عابدِ

ومن كلام عليٍّ رضي الله عنه:

ما الفضلُ إلا لأهل العلمِ أنَّهُمُعلى الهدى لمَن استَهْدَى أدِلَّاءُ
وقَدْرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسِنُهوالجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
ففُزْ بعلمٍ ولا تجهلْ به أبدًاالناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ

وقد قيل: العلمُ وسيلةٌ إلى كلِّ فضيلةٍ.

العلمُ يَرفعُ المملوكَ إلى مجالسِ الملوك، لولا العلماءُ لهَلَكَ الأمراءُ.

وإنما العلمُ لأربابهوِلايةٌ ليس لها عَزْلُ
إنَّ الأميرَ هو الذييُضْحِي أميرًا عند عَزْلِه
إن زال سلطانُ الوِلايةِ كان في سلطانِ فضلِه

واعلم أن تعلُّمَ العلمِ يكونُ: 1- فرضَ عينٍ، وهو بقَدْر ما يَحتاجُ لدِينه.

2- وفرضَ كفايةٍ: وهو ما زاد عليه لنَفْعِ غيرِه.

3- ومندوبًا: وهو التبحُّر في الفقه، وعلمِ القلب.

4- وحرامًا: وهو علمُ الفلسفة، والشَّعْبَذة، والتنجيم، والرَّمْل، وعلومِ الطبائعيين، والسحرِ، والكهانةِ، ودَخَلَ في الفلسفة: المَنْطِقُ.

ومن هذا القسم: علمُ الحَرْف، وعلمُ المُوَيْسِيقِي.

5- ومكروهًا: وهو أشعارُ المُوَلَّدِين، من الغَزَل، والبطالة.

6- ومباحًا: كأشعارِهم التي لا يُستَخَفُّ فيها. كذا في فوائدَ شتى من "الأشباه والنظائر".

ثم نَقَلَ مسألةَ الرُّباعيات، ومَحَطُّها: أن الفقهَ هو ثمرةُ الحديث، وليس ثوابُ الفقيه أقلَّ من ثواب المحدِّث.

وفيها: كلَّ إنسانٍ غيرِ الأنبياء لا يَعلَمُ ما أراد الله تعالى له، وبه؛ لأن إرادتَه تعالى: غَيْبٌ، إلا الفقهاءَ.

فإنهم عَلِموا إرادتَه تعالى بهم، بحديثِ الصادقِ المَصْدوقِ صلى الله عليه وسلم: "مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا: يُفَقِّهْه في الدين".

وفيها: كلُّ شيءٍ يُسألُ عنه العبدُ يومَ القيامة، إلا العلمَ؛ لأنه سبحانه وتعالى طَلَبَ مِن نبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يَطلبَ الزيادةَ منه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا﴾. (طه /144)، فكيف يُسألُ عنه؟

وفيها: إذا سُئلْنا عن مذهبِنا ومذهبِ مخالِفِنا: قلنا وجوبًا: مذهبُنا صوابٌ يَحتمِلُ الخطأ، ومذهبُ مخالفِنا خطأٌ يَحتمِلُ الصوابَ.

وإذا سُئلنا عن معتَقدِنا ومعتَقَدِ خصومِنا: قلنا وجوبًا: الحقُّ ما نحن عليه، والباطلُ ما عليه خصومُنا.

وفيها: العلومُ ثلاثةٌ:

علمٌ نَضِجَ وما احتَرَقَ وهو علمُ النحو، والأصول.

وعلمٌ لا نَضِجَ ولا احتَرَقَ: وهو علمُ البيانِ، والتفسير.

وعلمٌ نَضِجَ واحتَرَقَ: وهو علمُ الحديثِ، والفقه.

وقد قالوا: الفقهُ زَرَعَه عبدُ الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه، وسقاه علقمة، وحَصَدَه إبراهيمُ النَخَعي، ودَاسَه حمَّادٌ، وطَحَنَه أبو حنيفة، وعَجَنَه أبو يوسف، وخَبَزَه محمدٌ، فسائرُ الناسِ يأكلون من خُبْزه.

وقد نَظَمَه بعضُهم، فقال:

الفقهُ زَرْعُ ابنِ مسعودٍ وعلقمةحَصَّادُه ثم إبراهيمُ دَوَّاسُ
نعمانُ طاحِنُه يعقوبُ عاجِنُهمحمدٌ خابِزٌ والآكِلُ الناسُ

وقد ظَهَرَ علمُه بتصانيفه، كـ"الجامعَيْن" و"المبسوطِ" و"الزيادات" و"النوادر"، حتى قيل: إنه صنَّف في العلوم الدينية تسعَمائةٍ وتسعةً وتسعين كتابًا.

ومن تلامذته: الشافعيُّ رضي الله عنه، وتزوَّج بأمِّ الشافعيِّ، وفَوَّض إليه كُتُبَه ومالَه، فبسببِه صار الشافعيُّ فقيهًا.

ولقد أنصف الشافعيُّ حيثُ قال: مَن أراد الفقهَ فلْيَلْزَمْ أصحابَ أبي حنيفة، فإن المعانيَ قد تيسَّرت لهم، واللهِ ما صِرْتُ فقيهًا إلا بكُتُب محمدِ بنِ الحسن.

وقال إسماعيلُ بن أبي رجاء: رأيتُ محمدًا في المنام، فقلتُ له: ما فَعَلَ الله بكَ؟ فقال: غَفَرَ لي، ثم قال: لو أردتُ أن أُعذِّبَكَ ما جعلتُ هذا العلمَ فيكَ، فقلتُ له: فأين أبو يوسف؟ قال: فَوْقَنا بدرجة.

قلتُ: فأبو حنيفة؟ قال: هيهاتَ! ذاكَ في أعلى عِلِّيين، كيفَ وقد صلى الفجرَ بوضوءِ العشاءِ أربعين سَنَةً، وحَجَّ خمسًا وخمسينَ حجةً، ورأى ربَّه في المنام مائةَ مرةٍ ؟ ! ولها قصةٌ مشهورةٌ.

وفي حَجَّتِه الأخيرةِ استأذَنَ حَجَبَةَ الكعبةِ بالدخول ليلًا، فقام بين العمودَيْن على رِجْله اليمنى، ووَضَعَ اليسرى على ظهرِها حتى خَتَمَ نصفَ القرآن، ثم رَكَعَ وسَجَدَ، ثم قام على رِجْله اليسرى، ووَضَعَ اليُمنى على ظهرها حتى خَتَمَ القرآنَ، فلما سلَّم بكى، وناجى ربَّه، وقال:

إلهي ما عَبَدَكَ هذا العبدُ الضعيفُ حقَّ عبادتك، لكنْ عَرَفَكَ حقَّ معرفتِك، فهَبْ نُقصانَ خِدْمتِه لكمالِ معرفتِه.

فهَتَفَ هاتفٌ من جانبِ البيت: يا أبا حنيفة! قد عرفتَنا حَقَّ المعرفة، وخَدَمْتَنا فأحسنتَ الخدمة، وقد غَفَرْنا لكَ ولمَن اتَّبعَكَ ممن كان على مذهبِكَ إلى يومِ القيامة.

وقيل لأبي حنيفة: بمَ بَلَغْتَ ما بَلَغْتَ؟ قال: ما بَخِلْتُ بالإفادة، وما استنكفتُ عن الاستفادة.

قال مِسعَرُ بن كِدام: مَن جَعَلَ أبا حنيفة بينَه وبينَ الله تعالى رجوت أن لا يخاف، وقال فيه:

حسبي من الخيرات ما أعددتُهيومَ القيامةِ في رضا الرحمن
دينِ النبيِّ محمدٍ خيرِ الوَرَىثم اعتقادي مذهبَ النعمان

وعنه عليه الصلاة والسلام: "إن آدمَ افتخَرَ بي، وأنا أفتَخرُ برجلٍ من أمتي اسمُه: نُعمان، وكُنيتُه: أبو حنيفة، هو سراجُ أُمَّتي".

وعنه عليه الصلاة والسلام: "إن سائرَ الأنبياءِ يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، مَن أحبّه: فقد أحبّني، ومن أبغضه: فقد أبغضني"، كذا في "التَّقْدمة شرح مقدمةِ أبي الليث".

قال في "الضياء المعنوي": وقولُ ابنِ الجوزي: إنه موضوعٌ: تعصُّبٌ؛ لأنه رُوي بطُرُقٍ مختلفةٍ.

وروى الجُرْجانيَّ في "مناقبه" بسندِه لسهلِ بنِ عبد الله التُّسْتَري أنه قال: لو كان في أُمَّةِ موسى وعيسى مثلُ أبي حنيفة: لما تهوَّدوا، ولما تنصَّروا"، ومناقبُه أكثرُ مِن أن تُحصى، وصنَّف فيها سِبْطُ ابنِ الجوزي مجلدَيْن كبيرَيْن، وسمَّاه: "الانتصار لإمامِ أئمةِ الأمصار"، وصنَّف غيرُه أكثرَ من ذلك.

والحاصلُ أنَّ أبا حنيفة النعمان من أعظمِ معجزاتِ المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدَ القُرآن، وحسبُك من مناقبِه: اشتهارُ مذهبه، ما قال قولًا إلا أخَذَ به إمامٌ من الأئمة الأعلام.

وقد جعل اللهُ الحُكْمَ لأصحابه وأتباعِه من زمنِه إلى هذه الأيام، إلى أن يَحكُمَ بمذهبِه عيسى عليه السلام.

وهو كالصِّديق رضي الله عنه، له أجْرُه وأجْرُ مَن دوَّن الفقهَ، وألَّفه، وفرَّع أحكامَه على أصولِه العِظام، إلى يومِ الحشرِ والقيام.

وهذا يدلَّ على أمرٍ عظيمٍ، اختُصَّ به من بين سائر العلماءِ العِظام، كيف لا، وقد اتَّبعه على مذهبِه كثيرٌ من الأولياء الكرام، ممن اتَّصَفَ بثبات المُجاهدة، ورَكَضَ في مَيْدان المشاهَدة، كإبراهيمَ بن أدهم، وشقيقٍ البَلْخي، ومَعروفٍ الكَرْخي، وأبي يزيدَ البَسطامي، وفُضيل بن عِياض، وداودَ الطائي، وأبي حامدٍ اللفَّاف، وخَلَفِ بن أيوب، وعبدِ اللهِ بنِ المبارك، ووكيعِ بن الجراح، وأبي بكرٍ الورَّاق، وغيرِهم ممن لا يُحصى؛ لبُعده أن يُستقصى، فلو وَجدوا فيه شبهةً: ما اتَّبعوه، ولا اقتدَوْا به، ولا وافَقوه.

وقد قال الأستاذُ أبو القاسم القُشيري في "رسالته"، مع صلابته في مذهبه، وتقدُّمِه في هذه الطريقة:

سمعتُ الأستاذَ أبا عليٍّ الدقاق يقول: أنا أخذتُ هذه الطريقةَ من أبي القاسم النصرآباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتُها من الشِّبْلي، وهو أَخَذَها من السَّرِيِّ السَّقَطي، وهو من معروفٍ الكَرخي، وهو من داودَ الطائي، وهو أَخَذَ العلمَ والطريقةَ من أبي حنيفة، وكلٌّ منهم أثنى عليه، وأقرَّ بفضله.

فعجبًا لك يا أخي! ألم تكن لكَ أسوةٌ حسنةٌ في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متَّهمِين في هذا الإقرار والافتخار، وهم أئمةُ هذه الطريقة، وأربابُ الشريعةِ والحقيقة، ومَن بعدهم في هذا الأمر: فلهم تَبَعٌ، وكلَّ ما خالَفَ ما اعتمدوه: مردودٌ ومبتدَع؟

وبالجملة فليس أبو حنيفة رحمه الله في زُهدِه وروعِه وعبادتِه وعلمِه وفَهْمِه بمشارَكٍ.

ومما قال فيه ابنُ المبارك:

لقد زانَ البلادَ ومَن عليهاإمامُ المسلمين أبو حنيفةْ
بأحكامِ وآثارٍ وفقهٍكآياتِ الزَّبورِ على صحيفَةْ
فما في المَشرِقَيْن له نظيرٌولا في المَغْربَيْن ولا بكوفَةْ
يَبيتُ مُشمِّرًا سَهِرَ اللياليوصام نهارَه لله خِيفَةْ
فمَن كأبي حنيفةَ في عُلاهإمامٌ للخَلِيقَة والخليفَةْ
رأيتُ العائبين له سِفَاهًاخلافَ الحقِّ مع حُجَجٍ ضعيفَةْ
وكيف يَحِلَّ أن يُؤذَى فقيهٌله في الأرضِ آثارٌ شريفَة
وقد قال ابنُ إدريسٍ مقالًاصحيحَ النَّقْلِ في حِكَمٍ لطِيفَةْ
بأنَّ الناسَ في فِقْهٍ عِيالٌعلى فِقْهِ الإمامِ أبي حنيفَةْ
فلَعنةُ ربِّنا أعدادَ رَمْلٍعلى مَن رَدَّ قولَ أبي حنيفةْ

وقد ثبت أن ثابتًا والدَ الإمامِ أدرك الإمامَ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه، فدعا له ولذريته بالبركة.

وصحَّ أن أبا حنيفةَ سمع الحديثَ من سبعةٍ من الصحابة، كما بُسِطَ في أواخِر "مُنية المفتي"، وأدرك بالسنِّ نحو عشرين صحابيًا، كما بُسِطَ في أوائل "الضياء".

وقد ذَكَرَ العلامةُ شمسُ الدين محمد أبو النصر بن عرب شاه الأنصاريُّ الحنفيُّ، في منظومته الألفية، المسمَّاةِ بـ: "جواهر العقائد ودُرَرُ القلائد"، ثمانيةً من الصحابة، ممن روى عنهم الإمامُ الأعظمُ أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، حيث قال:

مُعتقِدًا مذهَبَ عظيمِ الشَّانِأبي حنيفةَ الفتى النُعمانِ
التابعيِّ سابقِ الأئمةْبالعلمِ والدينِ سراجِ الأُمَّةْ
جمعًا منَ أصْحابِ النبيِّ أَدْرَكاأَثَرَهم قد اقتَفَى وسَلَكا
طريقةً واضحةَ المِنهاجِسالمةً من الضلالِ الداجي
وقد روى عن أنسٍ وجابرٍوابنِ أبي أوفى كذا عن عامِرِ
أعني أبا الطُّفَيْل ذا ابنَ واثِلَةْوابنِ أُنَيْسٍ الفتى وواثِلَةْ
عن ابنِ جَزْءٍ قد روى الإمامُوبنتِ عَجْرَدٍ هي التمامُ
رضي اللهُ الكريمُ دائمًاعنهم وعن كلِّ الصِّحَاب العُظَما

وتوفي رحمه الله تعالى ببغداد، قيل: في السجن؛ لِيَلِيَ القضاء، وله سبعون سنةً، بتاريخ خمسين ومائة.

قيل: ويومَ توفيَ: وُلِدَ الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه، فعُدَّ من مناقبه.

وقد قيل: الحكمةُ في مخالفةِ تلامذتِه له: أنه رأى صبيًا يَلعبُ في الطين، فحَذَّرَه من السقوط، فأجابه: بأنِ احذَرْ أنتَ السقوطَ، فإن في سقوط العالِمِ: سقوطَ العالَمِ.

فحينئذٍ قال لأصحابه: إنْ تَوَجَّهَ لكم دليلٌ: فقولوا به، فكان كلٌّ يأخذُ بروايةٍ عنه، ويُرجِّحُها.

وهذا من غايةِ احتياطِه وورعِه، وعِلْمِه بأن الاختلافَ من آثار الرحمة، فمهما كان الاختلافُ أكثَرَ: كانت الرحمةُ أوفَر؛ لِمَا قالوا.

رسمُ المُفتي
مراتبُ الترجيحِ وألفاظُ الإفتاء

إنَّ ما اتَّفَقَ عليه أصحابُنا في الروايات الظاهرة: يُفتَى به قَطْعًا.

واختُلِفَ فيما اختلفوا فيه، والأصحُّ كما في "السراجية"، وغيرِها: أنه يُفتَى بقولِ الإمامِ على الإطلاق.

ثم بقول الثاني، ثم بقولِ الثالث، ثم بقولِ زُفَرَ والحسنِ بن زياد.

وصحَّح في "الحاوي القدسي" قوةَ المَدْرَك.

وفي وقف "البحر"، وغيرِه: متى كان في المسألةِ قولان مصحَّحان: جاز القضاء، والإفتاءُ بأحدهما.

وفي أول "المضمرات": أما العلاماتُ للإفتاء: فقولُه: وعليه الفتوى، وبه يُفتَى، وبه نأخذُ، وعليه الاعتمادُ، وعليه عملُ اليوم، وعليه عملُ الأمة، وهو الصحيحُ، أو: الأصحُ، أو: الأظهرُ، أو: الأشبهُ، أو: الأوجهُ، أو: المختارُ، ونحوُها مما ذُكِر في حاشية البزدوي. اهـ

وقال شيخُنا الرَّمْليُّ في "فتاويه": وبعضُ الألفاظِ آكَدُ من بعضٍ، فلفظُ: الفتوى: آكَدُ من لفظ: الصحيح، والأصحِّ، والأشبهِ، وغيرِها.

ولفظُ: به يُفتى: آكَدُ من لفظ: الفتوى عليه.

والأصحُّ: آكَدُ من: الصحيح، والأحوطُ: آكَدُ من: الاحتياط. انتهى.

قلت: لكن في "شرح المُنية"، للحلبيِّ، عند قوله: لا يجوزُ مسُّ مصحفٍ إلا بغِلافِه:

"إذا تعارَضَ إمامان معتَبَران عَبَّر أحدُهما بـ: الصحيح، والآخَرُ بـ: الأصح، فالأخذُ بالصحيح: أَوْلى؛ لأنهما اتفقا على أنه صحيحٌ، والأخذُ بالمتَّفَقِ أوفَقُ، فليُحفَظ". اهـ

ثم رأيتُ في رسالة "آداب المفتي": "إذا ذُيِّلتْ روايةٌ في كتابِ معتَمدٍ بـ: الأصح، أو: الأَوْلى، أو: الأوفقِ، ونحوِها: فله أن يُفتيَ بها، وبمخالِفِها أيضًا، أيًّا شاء.

وإذا ذُيِّلتْ بـ: الصحيح، أو: المأخوذِ به، أو: به يُفتَى، أو: عليه الفتوى: لم يُفْتِ بمخالِفِه، إلا إذا كان في "الهداية" مثلًا: هو الصحيح، وفي "الكافي" بمخالفه: هو الصحيح: فيُخيَّر، ويَختارُ الأقوى عنده، والأليقَ والأصلحَ". اهـ، فليُحفَظ.

وحاصلُ ما ذَكَرَه الشيخُ قاسم في "تصحيحه": أنه لا فَرْقَ بين المفتي والقاضي، إلا أنَّ المفتيَ مُخبِرٌ عن الحكم، والقاضيَ مُلزِمٌ به.

وأن الحكمَ والفتيا بالقول المرجوح: جهلٌ، وخَرْقٌ للإجماع.

وأن الحكمَ الملفَّقَ: باطلٌ بالإجماع.

وأن الرجوعَ عن التقليدِ بعدَ العمل: باطلٌ اتفاقًا، وهو المختارُ في المذهب.

وأن الخلافَ: خاصٌّ بالقاضي المجتهِد، وأما المقلِّدُ: فلا ينفذُ قضاؤه بخلافِ مذهبِه أصلًا، كما في "القنية".

قلتُ: ولا سيما في زماننا، فإن السلطان يَنُصُّ في مَنشوره على نهيه عن القضاءِ بالأقوالِ الضعيفة، فكيف بخلافِ مذهبه؟ فيكونُ معزولًا بالنسبة لغير المعتمدِ من مذهبه، فلا يَنفُذُ قضاؤه فيه، ويُنقَضُ، كما بُسِط في قضاء "الفتح"، و"البحر"، و"النهر"، وغيرها.

قال في "البرهان": وهذا صريحُ الحقِّ الذي يُعَضُّ عليه بالنواجِذ.

نَعَمْ، أَمْرُ الأميرِ متى صادَفَ فصلًا مجتَهَدًا فيه: نَفَذَ أمرُه، كما في سِيَر "التتارخانية"، و"شرح السِّيَر الكبير"، فليُحفَظ.

وقد ذكروا أن المجتهِدَ المطلَقَ قد فُقِد، وأما المقيَّدُ: فعلى سَبعِ مراتبَ مشهورةٍ، وأما نحن: فعلينا اتباعُ ما رجَّحوه وما صحَّحوه، كما لو أفتَوْا في حياتهم.

فإن قلتَ: قد يَحكُونَ أقوالًا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح؟

قلتُ: يُعمَلُ بمثل ما عملوا، من اعتبارِ تغيُّرِ العُرفِ وأحوالِ الناس، وما هو الأَرْفَقُ، وما ظَهَرَ عليه التعاملُ، وما قَوِيَ وجهُه.

ولا يخلو الوجودُ ممن يُميِّز هذا حقيقةً، لا ظَنًّا، وعلى مَن لم يُميِّز: أن يَرجعَ لمن يُميِّز؛ لبراءةِ ذمته.

فنسأل اللهَ تعالى التوفيقَ والقَبولَ، بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم.

كيف لا وقد يسَّر الله تعالى ابتداءَ تبييضِه في الروضةِ المحروسة، والبُقعةِ المأنوسَة، تُجاهَ وجهِ صاحبِ الرسالة، وحائزِ الكمالِ والبَسَالة صلى الله عليه وسلم.

وضَجيعَيْه الجليلين الضِّرْغامَيْن الكاملَيْن رضي الله عنهما، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، ووالدينا ومقلِّديهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

ثم تُجاهَ الكعبةِ الشريفةِ، تحت الميزاب، وفي الحَطيم والمَقام، واللهُ الميسِّرُ للتَّمَام.

كتابُ البيوع

من «الدُّرِّ المختار» — متنُ تنويرِ الأبصارِ بشرحِ الحصكفيِّ ممزوجًا
التبويبُ على ترتيبِ الأصل. في كلِّ بابٍ: مسائلُ مرقَّمة، ومتنُ التنويرِ مُبرَزٌ داخلَ الشرح.
كتابُ البيوع
البيعُ: تعريفُه وأركانُه وأقسامُه

لَمَّا فَرَغَ من حقوقِ اللهِ تعالى: العباداتِ، والعقوباتِ، شرع في حقوقِ العبادِ: المعاملاتِ.

ومناسبته للوقف: إزالةُ المِلْكِ، لكنْ لا إلى مالكٍ، وهنا إليه، فكانا كبسيطٍ، ومُركَّبٍ.

وجُمِعَ؛ لكونِه باعتبارِ كلٍّ من البيعِ، والـمَبيع، والثمنِ: أنواعًا أربعةً:

نافِذٌ، موقوفٌ، فاسدٌ، باطلٌ.

ومقايَضةٌ، صَرْفٌ، سَلَمٌ، بيعٌ مطلَقٌ.

ومرابَحةٌ، تَوْليةٌ، وَضِيْعَةٌ، مساوَمَةٌ.

١

هو لغةً: مقابلةُ شيءٍ بشيءٍ، مالًا أو لا، بدليل: ﴿وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ﴾

وهو من الأضداد، ويُستعمَلُ متعدِّيًا، وبـ: مِن: للتأكيد، وباللام، يُقالُ: بعتُكَ الشيءَ، وبِعْتُه لكَ، فهي زائدةٌ. قاله ابنُ القَطَّاع.

وباع عليه القاضي: أي بلا رضاه.

٢

وشرعًا: مبادلةُ شيءٍ مرغوبٍ فيه بمِثْلِه، خَرَجَ غيرُ المَرْغوبِ فيه، كترابٍ، وميتةٍ، ودمٍ.

٣

على وَجْهٍ مُفِيد، مَخصُوصٍ، أي بإيجابٍ، أو تَعَاطٍ.

فخَرَجَ: التبرُّعُ من الجانبَيْن، والهبةُ بشَرْطِ العِوَضَ.

وخرَجَ: بـ: مُفيدٍ: ما لا يُفيد، فلا يصحُّ بيعُ درهمٍ بدرهم استويا وَزْنًا، وصفَةً.

ولا مقايضةُ أحدِ الشريكين حصةَ دارِه بحصةِ الآخَرِ. صيرفية.

ولا إجارةُ السُّكْنى بالسُّكْنى. أشباه.

٤

ويكونُ: بقولٍ أو فِعْلٍ، أما القولُ: فالإيجابُ والقَبُولُ، وهما رُكنُه.

وشَرْطُه: أهليةُ المتعاقدَيْن، ومَحَلَّه: المالُ.

وحُكمُه: ثبوتُ الملك.

وحِكْمتُه: نظامُ بقاءِ الـمَعاش، والعالَم.

وصفتُه: مباحٌ، مكروهٌ، حرامٌ، واجبٌ.

وثبوتُه: بالكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والقياسِ.

٥

فالإيجابُ هو: ما يُذكَرُ أوَّلًا من كلامِ أحدِ المتعاقدَيْن.

والقَبُولُ: ما يُذكَرُ ثانيًا من الآخَرِ، سواءٌ كان: بِعتُ، أو: اشتريتُ.

٦

الدالُّ على التراضي.

قيَّدَ به: اقتداءً بالآية، وبيانًا للبيع الشرعي.

ولذا لم يَلزَمْ بيعُ المكرَهِ وإنِ انعقَدَ، ولم ينعقِدْ مع الهَزْلِ؛ لعدمِ الرضا بحُكْمِه معه.

هذا، ويَرِدُ على التعريفَيْن: ما في "التتارخانية": لو خَرَجا معًا: صحَّ البيعُ.

لكنْ في "القهستاني": لو كانا معًا: لم يَنعقِدْ، كما قالوا في السلامِ.

وعلى الأول: ما في "الأشباه": تكرارُ الإيجابِ مُبطِلٌ للأول، إلا في عِتْقٍ، وطلاقٍ على مالٍ، وسيجيءُ في الصلح.

وفي "المنظومة الـمُحبِّيَّة":

وكـــــــــــــلَّ عــــقــــدٍ بــــعـــدَ عــــقــــدٍ جُــــــدِّدافـأَبْــطِــلِ الــثــاني لأنه سُــــــدى
فـالصلحُ بعدَ الصلحِ أضحى باطلًاكذا النكاحُ ما عدا مَسائلا
مـــنــهـا الـشِّرا بــعــدَ الــشِّـراء صـحَّـحُـواكـذا كـفـالـةٌ على ما صَرَّحــوا
إِذِ الــــمــرادُ صـــــــــــــاحِ في الــمُــحَـــــقَّـــــــقِمـــــنــــها إذًا زيــــــــــادةُ الــتــوثَّــــــــقِ
٧

وهما: عبارةٌ عن كلِّ لفظَيْن يُنْبِئان عن معنى التملُّكِ، والتمليكِ، ماضِيَيْن كـ: بِعْتُ، واشتريتُ.

٨

أو حالَيْن، كمضارِعَيْن لم يُقرَنا بـ: سَوْفَ، والسِّينِ، كـ: أبيعُكَ، فيقولُ: أشترِيه، أو أحدُهما ماضٍ، والآخَرُ حالٌ.

٩

و لكن لا يَحتاجُ الأولُ إلى نيةٍِ، بخلافِ الثاني، فإن نوى به الإيجابَ للحال: صحَّ، على الأصحِّ، وإلا: لا.

إلا إذا استعملوه للحال، كأهل خُوَارِزْمَ: فكالماضي، وكـ: أبيعُكَ الآنَ؛ لتَمَحُّضِه للحال.

وأما المتمحِّضُ للاستقبال: فكالأمر: لا يصحُّ أصلًا، إلا الأمرَ إذا دلَّ على الحالِ، كـ: خُذْهُ بكذا، فقال: أخذتُ، أو رضيتُ: صحَّ بطريق الاقتضاءِ، فليُحفَظ.

١٠

وتصحُّ إضافتُه إلى عضوٍ تصحُّ إضافةُ العتقِ إليه، كوَجْهٍ، وفَرْجٍ، وإلا: لا، كظَهرٍ، وبَطْنٍ.

١١

و كلَّ ما دَلَّ على معنى: بعتُ، واشتريتُ، نحوُ: قد فعلتُ، و: نعم، و: هاتِ الثمنَ، و: هو لكَ، أو: عبدُكَ، أو: فِدَاكَ، أو: خُذْهُ: قبولٌ.

لكن في الولوالجية: إنْ بدأ البائعُ، فقَبِلَ المشتري بـ: نعم: لم يَنعقِدْ؛ لأنه ليس بتحقيقٍ، وبعكسِه: صحَّ؛ لأنه جوابٌ.

وفي القنية: نعم: بعدَ الاستفهام، كـ، هل بِعْتَ مني بكذا؟: بيعٌ إن نَقَدَ الثمنَ؛ لأن النقدَ دليلُ التحقيق.

ولو قال: بعتُه، قـبَلِّغْه يا فلانُ، فبلَّغَه غيرُه: جاز، فليُحفَظ.

١٢

ولا يَتوقَّفُ شَطْرُ العقدِ فيه، أي البيع، على قَبولِ غائبٍ، فلو قال: بِعْتُ فلانًا الغائبَ، فبَلَغَه، فقَبِلَ: لم يَنعقِد، اتفاقًا، إلا إذا كان بكتابةٍ، أو رسالةٍ، فيُعتَبرُ مجلسُ بلوغِهما.

١٣

كما لا يتوقّفُ في النكاح، على الأظهر، خلافًا للثاني، فله الرجوعُ؛ لأنه عقدُ معاوضةٍ.

بخلافِ الخلعِ، والعتقِ على مالٍ، حيثُ يتوقَّفُ، اتفاقًا، فلا رجوعَ؛ لأنه يمينٌ. نهاية.

١٤

وأما الفعلُ: فالتعاطي، وهو التناوُلُ. قاموس، في خَسِيسٍ، ونَفِيسٍ، خلافًا للكَرْخيّ.

١٥

ولو التعاطي من أحدِ الجانبين، على الأصحِّ. فتح، وبه يُفتى. فيض، إذا لم يُصرَّحْ معه: مع التعاطي، بعدمِ الرِّضا.

فلو دَفَعَ الدراهمَ، وأخذ البَطاطيخَ، والبائع يقول: لا أُعطيها بها: لم ينعقد، كما لو كان بعد عقدٍ فاسد. خلاصة، وبزازية.

وصرَّحَ في البحر، بأن الإيجابَ والقَبولَ بعدَ عقدٍ فاسدٍ: لا ينعقدُ بهما البيعُ قبل مُتاركة الفاسد، ففي بيع التعاطي: بالأَوْلى.

وعليه: فيُحمَلُ ما في الخلاصة، وغيرها على ذلك، وتمامُه في الأشباه. من الفوائد.

إذا بَطَلَ المتضمِّن: بطل المتضمَّن، والمبنيّ على الفاسد: فاسدٌ.

١٦

وقيل: لا بدَّ في التعاطي من الإعطاءِ من الجانبين، وعليه الأكثرُ. قاله الطّرَسوسيّ، واختاره البزازيُّ، وأفتى به الحَلْوانيّ، واكتفى الكَرْمانيّ بتسليم الـمَبيعِ، مع بيانِ الثمنِ، فتحرَّرَ ثلاثةُ أقوال، وقد عَلمتَ المفتى به.

وحرّرنا في شرح الملتقى صحةَ الإقالة، والإجارة، والصرف بالتعاطي، فليُحفَظ.

فروعٌ:

ما يستجرُّهُ الإنسان من البَيَّاع إذا حاسَبَه على أثمانِها بعدَ استهلاكِها: جاز؛ استحسانًا.

بيعُ البراءات التي يَكتبُها الديوان على العمال: لا يصحّ.

بخلافِ بيعِ حُظوظِ الأئمة؛ لأن مالَ الوقفِ قائمٌ ثمَّةَ، ولا كذلك هنا. أشباه، وقنية.

ومُفادُه: أنه يجوزُ للمستَحِقِّ بيعُ خُبْزِه قبلَ قَبْضِه من الـمُشْرِفِ، بخلاف الجُنْديّ. بحر، وتعقَّبَه في النهر.

وأفتى المصنِّفُ ببطلانِ بيعِ الجامِكِيَّةِ، لِما في الأشباه: بيعُ الدينِ إنما يجوز من المديون.

وفيها: وفي الأشباه: لا يجوزُ الاعتياضُ عن الحقوقِ المجرّدَة، كحقِّ الشفعة، وعلى هذا: لا يجوزُ الاعتياضُ عن الوظائف بالأوقاف.

وفيها، في آخِرِ بحثِ: تعارُضِ العُرْفِ مع اللغة: المذهبُ عدمُ اعتبارِ العُرْفِ الخاصّ، لكنْ أفتى كثيرٌ باعتبارِه، وعليه فيُفتى بجوازِ النزولِ عن الوظائفِ بمالٍ.

وبلزومِ خُلُوِّ الحوانيتِ، فليس لربِّ الحانوتِ إخراجُه، ولا إجارتُها لغيره، ولو وَقْفًا. انتهى ملخَّصًا.

وفي معين المفتي للمصنِّفِ مَعزيًّا للولوالجية: عِمارةٌ في أرضٍ بيعَتْ: فإنْ بناءً، أو أشجارًا: جاز.

وإن كِرابًا، أو كَرْيَ أنهار، أو نحوَه مما لم يكن ذلك بمال، ولا بمعنى مال: لم يَجُز. اهـ

قلتُ: ومُفادُه أنَّ بيعَ الـمُسْكَةِ: لا يجوزُ، وكذا رَهْنُها، ولذا جعلوه الآنَ فراغًا، كالوظائفِ، فليُحرَّر. اهـ، وسنذكرُه في بيع الوَفاء.

١٧

وينعقدُ أيضًا بلفظٍ واحدٍ، كما في بيع القاضي، والوصيّ، والأبِ من طفلِه، وشرائه منه، فإنه لوُفورِ شَفَقَتِه: جُعلت عبارتُه كعبارتَين، وتمامه في الدرر.

١٨

وإذا أوجَبَ واحدٌ: قَبِلَ الآخَرُ، بائعًا كان أو مشتريا، في المجلسِ؛ لأن خيارَ القبولِ مقيّدٌ به.

١٩

كلَّ الـمَبيع، بكلِّ الثمن، أو تَرَكَ؛ لئلا يَلزم تفريق الصفقة.

٢٠

إلا إذا أعاد الإيجابَ والقَبول، أو رضي الآخر، وكان الثمن منقسما على الـمَبيع بالأجزاء، كمكيل وموزون.

وإلا: لا وإن رضيَ الآخَرُ؛ لعدم جواز البيعِ بالحصةِ ابتداءً، كما حرَّرَه الوانيّ.

٢١

أو بيَّن ثمنَ كلٍّ، كقوله: بعتُهما، كلّ واحد بمائةٍ وإن لم يُكَرِّر لفظَ: بعتُ، عند أبي يوسف ومحمدٍ، وهو المختار، كما في الشرنبلالية عن البرهان.

٢٢

وما لم يَقْبَلْ: بَطَلَ الإيجابُ إن رَجَعَ الموجِبُ قبْل القَبول، أو قام أحدُهما وإن لم يذهب عن مجلِسِه، على الراجح. نهر، وابن الكمال، فإنه كمجلسِ خيارِ الـمُخيَّرةِ، وكذا سائرُ التمليكات. فتح.

٢٣

وإذا وُجِدا: لَزِمَ البيعُ بلا خيار، إلا لَعَيْبٍ، أو رؤية.

خلافًا للشافعي، وحديثُه محمولٌ على تفرّق الأقوال، إذ الأحوالُ ثلاثةٌ: قبْل قولِهما، وبعدَه، وبعدَ أحدهما.

وإطلاقُ: المتبايعَين: في الأوّل: مجازُ الأول، وفي الثاني: مجاز الكون، وفي الثالث: حقيقة، فيُحمَل عليه.

٢٤

وشُرِطَ لصحتِه: معرفةُ قَدْرِ مَبيعٍ، وثمن.

٢٥

ووَصْفِ ثمنٍ، كمِصريّ، أو دمشقيّ، غيرِ مُشارٍ إليه.

٢٦

لا يُشترط ذلك في مُشارٍ إليه؛ لنفيِ الجهالةِ بالإشارة، ما لم يكن ربويًا قُوبلَ بجنسه، أو سَلَمًا، اتفاقًا، أو رأسَ مالِ سَلَمٍ لو مكيلًا، أو موزونًا، خلافًا لهما، كما سيجيء.

فرعٌ: لو كان الثمنُ في صُرَّةٍ، ولم يُعرَف ما فيها من خارج: خُيِّر، ويسمى: خيارَ الكمية، لا خيارَ الرؤية؛ لعدم ثبوتِه في النقود. فتح.

٢٧

وصحَّ بثمنٍ حالٍّ، وهو الأصلُ، ومؤجَّلٍ إلى معلومٍ؛ لئلا يُفضِيَ إلى النزاع.

ولا باع مؤجَّلًا: صُرِفَ لشهرٍ. به يُفتى.

ولو اختلفا في الأجلِ: فالقولُ لنافيه، إلا في السَّلَم. به يفتى.

ولو في قَدْرِه: فلمدعي الأقلّ، والبينةُ فيهما للمشتري.

ولو في مُضيِّه: فالقولُ والبينةُ للمشتري.

ويَبطلُ الأجلُ بموتِ المديونِ، لا الدائن.

فروعٌ:

باع بحالٍّ، ثم أجّله أجلًا معلومًا، أو مجهولًا كنَيْروزٍ، وحَصادٍ: صار مؤجَّلا. منية.

له ألفٌ من ثمنِ مَبيعٍ، فقال: أعطِ كلَّ شهرٍ مائةً: فليس بتأجيلٍ. بزازية.

عليه ألفٌ، ثمنٌ جَعَلَه ربُّه نجومًا: إن أخَلَّ بنَجْمٍ: حلَّ الباقي فالأمر كما شرطا. ملتقط، وهي كثيرةُ الوقوع.

قلتُ: ومما يَكثرُ وقوعُه: ما لو اشترى بقِطَعٍ رائجةٍ، فكَسَدَتْ بضَرْبِ جديدةٍ: تجبُ قيمتُها يومَ البيع من الذهبِ، لا غيرَ، إذْ لا يُمكِنُ للحُكَّام الحكمُ بمِثلها؛ لـمَنْعِ السلطان منها.

ولا يَدفعُ قيمتَها من الفضةِ الجديدةِ؛ لأنها ما لم يَغلِبْ غِشُّها: فجيِّدُها ورديئُها سواءٌ، إجماعًا.

أما ما غَلَبَ غِشُّه: ففيه الخلافُ، كما سيجيءُ في فصل: القرض، فتنبَّه، وبه أجاب سعدي أفندي.

٢٨

وهذا إذا بِيْعَ بثمنِ دَيْنٍ، فلو بعَيْنٍ: فَسَدَ. فتح.

٢٩

وبخلافِ جنسِه، ولم يَجمَعْهما قَدْرٌ؛ لِمَا فيه من رِبا النَّساءِ، كما سيجيءُ في بابِه.

٣٠

و الأجلُ ابتداؤه: من وقتِ التسليم، ولو فيه خيارٌ: فمُذْ سقوطِ الخيارِ عندَه. خانية.

٣١

وللمشتري بثمنٍ مؤجَّلٍ إلى سَنَةٍ مُنكَّرةً: أَجَلُ سَنَةٍ ثانيةٍ مُذْ تَسَلَّمَ؛ لـمَنْعِ البائعِ السلعةَ عن المشتري سَنَةَ الأجلِ المنكَّرةِ؛ تحصيلًا لفائدةِ التأجيل، فلو معيَّنةً، أو لم يَمتنعِ البائعُ من التسليم: لا، اتفاقًا؛ لأن التقصيرَ منه.

٣٢

و الثمنُ المسمى قدَرْهُ، لا وصفُه، يَنصرِفُ مُطْلَقُه إلى غالبِ نَقْدِ البلدِ، بلدِ العقدِ. مجمع الفتاوى؛ لأنه المتعارَفُ.

٣٣

وإن اختلفَتِ النقودُ ماليةً، كذهبِ شريفيٍّ وبُندُقِيٍّ: فَسَدَ العقدُ مع الاستواءِ في رَواجِها، إلا إذا بُيِّنَ في المجلس؛ لزوال الجهالة.

٣٤

وصحَّ بيعُ الطعامِ، هو في عُرْفِ المتقدِّمين: اسمٌ للحِنطةِ، ودقيقِها، كيلًا، وجَُِزافًا: مُثلَّثُ الجيم: مُعَرَّبٌ: كُزافٍ: المجازفة.

٣٥

إذا كان بخلاف جنسِه، ولم يكن رأسَ مالِ سَلَمٍ؛ لشَرْطية معرفتِه، كما سيجيء.

٣٦

أو كان بجنسِه، وهو دونَ نصفِ صاعٍ؛ إذْ لا ربا فيه، كما سيجيء.

٣٧

و من المجازفة: البيعُ بإناءٍ، وحَجَرٍ لا يُعرَفُ قَدْرُه، قَيْدٌ فيهما، وللمشتري الخيارُ فيهما. نهر.

٣٨

وهذا إذا لم يَحتمِلِ الإناءُ النقصانَ، و الحَجَرُ التفتُّتَ.

فإن احتمَلَهُما: لم يَجُزْ، كبيعِه قَدْرَ ما يَملأُ هذا البيتَ، ولو قَدْرَ ما يَملأ هذا الطَّشْتَ: جاز. سراج.

٣٩

و صحَّ في ما سمّى صاعٍ في بيعِ صُبْرةٍ، كلُّ صاعٍ بكذا، مع الخيارِ المشتري؛ لتفرُّقِ الصفقةِ عليهِ، ويُسمى خيارَ التَكَشُّفِ.

٤٠

و صحَّ في الكلِّ إن كِيْلَتْ في المجلس؛ لزوال الـمُفسِدِ قبلَ تقرُّرِه، أو سمَّى جُملةَ قُفْزانِها، بلا خيارٍ لو عندَ العقد.

وبه لو بعدَه في المجلسِ، أو بعدَه، عندهما، وبه يُفتى.

فإن رضِيَ: هل يَلزمُ البيعُ بلا رضا البائع؟ الظاهرُ: نعم. نهر.

٤١

وفَسَدَ في الكلِّ في بَيْعِ ثَلَّةٍ: بفتحِ، فتشديدٍ: قطيعُ الغَنَم، أو ثوبٍ، كلِّ شاةٍ، وذراعٍ، لفٌّ ونَشْرٌ، بكذا.

وإن عُلِمَ عددُ الغَنَم في المجلس: لم ينقلِبْ صحيحًا، عندَه، على الأصح، ولو رضِيا: انعَقَدَ بالتعاطي، ونظيرُه: البيعُ بالرَّقْم. سراج.

٤٢

وكذا الحكمُ في كلِّ معدودٍ متفاوِتٍ، كإبلٍ، وعبيدٍ، وبطيخٍ.

وكذا كلَّ ما في تبعيضِه ضررٌ، كمَصُوغِ أوانٍ. بدائع.

ولو سمى عددَ الغَنَمِ، أو الذَّرْعِ، أو جُملةَ الثمن: صحَّ اتفاقًا.

والضابطُ لكلمة: كلٍّ: أنَّ الأفرادَ إن لم تُعلَم نهايتُها: فإن لم تُؤدِّ للجهالة: فللاستغراقِ، كيمينٍ، وتعليقٍ.

وإلا: فإن لم تُعلَمْ في المجلسِ: فعلى الواحدِ، اتفاقًا، كإجارةٍ، وكفالةٍ، وإقرارٍ.

وإلا: فإن تفاوَتَتِ الأفرادُ، كالغَنَم: لم يصحَّ في شيءٍ، عندَه.

وإلا: صحُّ في واحدٍ، عندَه، كالصُّبْرة، وصحَّحاه فيهما في الكلِّ. بحر، وفي النهر عن العيون، والشرنبلالية عن البرهان، والقهستاني عن المحيط، وغيرِه: وبقولِهما يُفتى؛ تيسيرًا.

٤٣

وإن باع صُبْرَةً على أنها مائةُ قَفِيزٍ بمائةِ درهمٍ، وهي أقلُّ أو أكثرُ: أَخَذَ المشتري الأقلَّ بحصته إن شاء، أو فَسَخَ؛ لتفرُّقِ الصفقة.

وكذا كلَّ مكيلٍ أو موزونٍ ليس في تبعيضِه ضررٌ.

٤٤

وما زاد: للبائع؛ لوقوعِ العقدِ على قَدْرٍ معيَّنٍ.

٤٥

وإن باع الـمَذْروعَ مثلَه على أنه مائةُ ذراعٍ مثلًا: أَخَذَ المشتري الأقلَّ بكلِّ الثمنِ، أو تَرَكَ، إلا إذا قَبَضَ المبيعَ، أو شاهَدَه: فلا خيارَ له؛ لانتفاءِ الغُرور. نهر.

٤٦

و أخَذَ الأكثرَ، بلا خيارٍ للبائع؛ لأن الذَّرْعَ وَصْفٌ؛ لتعيُّبِه بالتبعيض، ضِدَّ القَدْرِ، والوَصْفُ لا يُقابِلُه شيءٌ من الثمن، إلا إذا كان مقصودًا بالتناوُل، كما أفادَه بقوله:

٤٧

وإن قال في بيعِ الـمَذْروع: كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ: أخَذَ الأقلَّ بحِصَّتِه؛ لصَيْرُورتِه أصلًا بإفرادِه بذِكْرِ الثمن، أو تَرَكَ؛ لتفريق الصفقة.

٤٨

وكذا أخَذَ الأكثرَ، كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، أو فَسَخَ؛ لدَفْعِ ضررِ التزامِ الزائد.

٤٩

وفَسَدَ بيعُ عشرةِ أذرعٍ من مائةِ ذراعٍ من دارٍ، أو حَمَّامٍ، وصحَّحَاه وإن لم يُسَمِّ جُملتَها، على الصحيح؛ لأن إزالتَها بيدهما.

٥٠

لا يَفسُدُ بيعُ عشرةِ أسهمٍ، من مائةِ سهم، اتفاقًا؛ لشيوع السهمِ، لا الذراع.

بقيَ لو تراضيا على تعيينِ الأذرُعِ في مكانٍ: لم أرَه، وينبغي انقلابُه صحيحًا لو في المجلسِ، ولو بعدَه: فبيعٌ بالتعاطي. نهر.

٥١

اشترى عددًا من قيمِيٍّ، ثيابًا، أو غَنَمًا. جوهرة، على أنه كذا، فنَقَصَ، أو زادَ: فَسَدَ؛ للجهالة.

ولو اشترى أرضًا على أنَّ فيها كذا نخلًا مُثمرًا، فإذا واحدةٌ فيها لا تُثمِرُ: فَسَدَ. بحر.

٥٢

كما لو باع عِدْلًا من الثيابِ، أو غَنَمًا، واستثنى واحدًا بغيرِ عَيْنِه: فَسَدَ، ولو بعَيْنِه: جاز البيعُ. خانية.

٥٣

ولو بَيَّنَ ثمنَ كلٍّ من القِيميِّ، بأن قال: كلَّ ثوبٍ منه بكذا، ونَقَصَ ثوبٌ: صحَّ البيعُ بقَدْرِه؛ لعدم الجهالة، وخُيِّرَ؛ لتفرُّقِ الصفقة، وإن زاد ثوبٌ: فَسَدَ؛ لجهالةِ المزيد.

ولو رَدَّ الزائدَ، أو عَزَلَه، هل يَحِلُّ له الباقي؟ خلافٌ مذكورٌ في الشرح، والنهر.

٥٤

اشترى ثوبًا تتفاوتُ جوانبُه، فلو لم تتفاوتَ جوانبُه، فلو لم تتفاوَتْ، ككِرْباسٍ: لم تَحِلَّ له الزيادةُ إن لم يَضُرَّه القطعُ، وجاز بيعُ ذراعٍ منه. نهر.

٥٥

على أنه عشرةُ أذرُعٍ، كلِّ ذراعٍ بدرهمٍ: أخَذَه بعشرةٍ في عشرةٍ، و زيادةِ نصفٍ، بلا خيارٍ؛ لأنه أنفعُ.

٥٦

و أَخَذَه بتسعةٍ في تسعةٍ، ونصفٍ، بخيارٍ؛ لتفرُّقِ الصفقة.

وقال أبو يوسف: يأخذه في الأولى بعشرةٍ ونصفٍ بالخيار، وفي الثاني بتسعةٍ ونصفٍ به.

وقال محمدٌ: يأخذُه في الأولِ بعشرةٍ ونصفٍ بالخيار، وفي الثاني بتسعةٍ ونصفٍ به.

وهو أعدلُ الأقوالِ. بحر، وأقرَّه المصنِّفُ، وغيرُه.

قلتُ: لكنْ صحَّحَ القهستانيّ، وغيرُه قولَ الإمامِ، وعليه المتونُ، فعليه الفتوى.

فصلٌ فيما يَدخلُ في البيع تَبَعًا، وما لا يَدخل

الأصلُ أنّ مسائلَ هذا الفصلِ مبنيّةٌ على قاعدتَيْن:

١

إحداهما: ما أفاده بقولِه: كلُّ ما كان في الدارِ من البناءِ، يعني: كلُّ ما هو متناوِلٌ اسمَ الـمَبيع عُرفًا: يدخلُ بلا ذِكْرٍ.

٢

وذَكَرَ الثانيةَ بقولِه: أو متَّصلًا به تَبَعًا لها: دَخَلَ في بيعِها، يعني: أنّ كلّ ما كان متصلًا بالـمَبيع اتصالَ قرارٍ، وهو ما وُضِعَ لا لأنْ يَفصِلَه البشرُ: دَخَلَ تَبَعًا، وما لا: فلا.

وما لم يكن من القِسْمَيْن: فإنْ مِن حقوقِه ومَرافِقِه: دَخَلَ بذِكْرِها، وإلا: لا.

٣

فيدخلُ البناءُ، والمفاتيحُ المتصلةُ أغلاقُها، كضَبَّةٍ، وكَيْلونٍ، ولو من فضةٍ، لا القفلُ؛ لعدم اتصالِه.

٤

والسُّلَّمُ المتصلُ، والسريرُ، والدَّرَجُ المتصلةُ، والرَّحى لو أسفلُها مَبْنِيا، والبَكْرَةُ، لا الدلوُ، والحَبْلُ، ما لم يَقُلْ: بمِرافِقِها.

٥

في بيعها، أي الدارِ.

وكذا بُستانُها، كما سيجيءُ في باب الاستحقاق.

ويَدخلُ في بيعِ الحَمَّام: القُدُورُ، لا القِصاعُ.

وفي الحِمار: إكافُه إن اشتراه من المزارعين، وأهلِ القرى، لا لو من الحُمُرِيِّين، وتَدخلُ قِلادتُه عُرْفًا.

ويدخلُ ولدُ البقرةِ الرضيعُ.

وفي الأتانِ: لا، رضيعًا أو لا. به يفتى.

وتدخلُ ثيابُ عبدٍ وجاريةٍ، أي كسوةُ مثلهِما، يُعطيهما هذه، أو غيرَها، لا حُلِيُّها، إلا إن سلَّمَها أو قَبَضَها، وسَكَتَ، وتمامُه في الصيرفية.

٦

ويَدخلُ الشجرُ في بيع الأرضِ بلا ذِكْرٍ.

قَيْدٌ في المسألتَين، فبالذِّكْر: أَولى.

٧

مُثْمِرةً كانت، أو لا، صغيرةً أو كبيرةً، إلا اليابسةَ؛ لأنها على شَرَفِ القَلْع. فتح.

٨

إذا كانت موضوعةً فيها، كالبناء، للقَرار.

فلو فيها صِغَارٌ تُقلَعُ زمنَ الربيع: إنْ مِن أصلِها: تدخلُ، وإنْ مِن وَجْهِ الأرضِ: لا، إلا بالشرط، وتمامُه في شرح الوهبانية.

وفي القنية: شَرى كَرْمًا: دخلَ الوثائلُ المشدودةُ على الأوتادِ المنصوبةِ في الأرض.

وكذا الأعمدةُ المدفونةُ في الأرضِ، التي عليها أغصانُ الكَرْمِ المسمَّاةُ بأرضِ الخليل عليه الصلاة والسلام بـ: ركائزِ الكَرْمِ.

وفي النهر: كلُّ ما دَخَلَ تَبَعًا: لا يُقابِلُه شيءٌ من الثمن؛ لكونه كالوصف، وذَكَرَه المصنِّفُ في باب الاستحقاق، قُبَيْلَ السَّلَم.

٩

ولا يَدخلُ الزرعُ في بيعِ الأرضِ بلا تسميةٍ، إلا إذا نَبَتَ، ولا قيمةَ له، فيَدخلُ، في الأصح. شرح مجمع.

١٠

ولا الثمرُ في بيع الشجر بدون الشرط.

عبَّرَ هنا بـ: الشرط، وثمَّةَ بـ: التسمية: ليُفيدَ أنه لا فَرْقَ، وأن هذا الشرطَ غيرُ مفسِدٍ.

وخصَّه بالثمر: اتِّباعًا لقولِه صلى الله عليه وسلم: الثمرةُ للبائع، إلا أن يشترِطَ الـمُبتاع.

١١

ويُؤمَرُ البائعُ بقَطْعِهما الزرعِ، والثمرِ، وتسليمِ الـمَبيعِ، الأرضِ والشجرِ عندَ وجوبِ تسليمِهما.

فلو لم يَنقُدِ الثمنَ: لم يُؤمَرْ به. خانية.

١٢

وإن لم يَظهَرْ صلاحُه؛ لأنَّ مِلكَ المشتري مشغولٌ بملكِ البائعِ، فيُجبَرُ على تسليمِه فارغًا.

١٣

كما لو أوصى بنخلٍ لرجلٍ، وعليه بُسْرٌ، حيثُ يُجبَرُ الورثةُ على قَطْعِ البُسْرِ، هو الـمختارُ من الرواية. ولوالجية.

وما في الفصولين: باع أرضًا بدونِ الزرع: فهو للبائع بأَجْرِ مِثلِها: محمولٌ على ما إذا رَضِيَ المشتري. نهر.

١٤

ومَن باع ثمرةً بارِزةً، أما قبلَ الظهورِ: فلا يصحُّ، اتفاقًا.

١٥

ظَهَرَ صلاحُها، أو لا: صحَّ، في الأصح.

١٦

ولو بَرَزَ بعضُها، دونَ بعضٍ: لا يصحُّ، في ظاهرِ المذهبِ، وصحَّحَه السرخسيُّ، وأفتى الحَلْوانيّ بالجوازِ لو الخارجُ أكثرَ. زيلعي.

١٧

ويَقطعُها المشتري في الحالِ، جَبْرًا عليه.

١٨

وإن شَرَطَ تَرْكَها على الأشجار: فَسَدَ البيعُ، كشَرْطِ القطعِ على البائع. حاوي.

١٩

وقيل: قائلُه: محمدٌ: لا يَفسُدُ إذا تناهَتِ الثمرةُ؛ للتعارُفِ، فكان شَرْطًا يقتضيه العقدُ، وبه يُفتَى. بحر عن الأسرار.

لكن في القهستاني عن المضمرات: أنه على قولِهِما الفتوى، فتنبَّه.

قَيَّدَ باشتراطِ التَّرْك: لأنه لو شَراها مطلَقًا، وتَرَكَها بإذنِ البائع: طابتْ له الزيادةُ، وإن بغير إذْنِه: تصدَّقَ بما زاد في ذاتِها.

وإن بَعْدَ ما تناهَتْ: لم يتصدَّق بشيءٍ.

وإن استأجَرَ الشجرَ إلى وقتِ الإدراكِ: بَطَلَتِ الإجارةُ، وطابتِ الزيادةُ؛ لبقاءِ الإذن.

ولو استأجَرَ الأرضَ لتَرْكِ الزرعِ: فَسَدَتْ؛ لجهالةِ المدة، ولم تَطِبِ الزيادةُ. ملتقى الأبحر؛ لفسادِ الإذنِ بفسادِ الإجارة، بخلافِ الباطلِ، كما حرَّرْناه في شرحه.

والحيلةُ: أن يأخذَ الشجرةَ معاملةً، على أنّ له جزءًا من ألفِ جزءٍ، وأن يشتريَ أصولَ الرَّطْبةِ، كالباذنجانِ، وأشجارِ البِطِّيخ، والخِيارِ؛ ليكونَ الحادِثُ للمشتري.

وفي الزرعِ، والحشيش: يشتري الموجودَ ببعضِ الثمنِ، ويستأجرُ الأرضَ مدةً معلومةً، يُعلَمُ فيها الإدراكُ بباقي الثمن.

وفي الأشجارِ: الموجودَ، ويُحِلُّ له البائعُ ما يوجَدُ.

فإن خاف أن يرجعَ: يقولُ: على أني متى رجعتُ في الإذنِ: تكونُ مأذونًا في الترك. شُمُنِّي، ملخَّصًا.

٢٠

ما جاز إيرادُ العقدِ عليه بانفرادِه: صحَّ استثناؤه منه، إلا الوصيةَ بالخدمةِ: يصحُّ إفرادُها دونَ استثنائها. أشباه.

٢١

ثم فَرَّع على هذه القاعدةِ بقوله: فصحَّ استثناءُ قَفيزٍ من صُبْرةٍ، وشاةٍ معيَّنةٍ من قَطيع، وأرطالٍ معلومةٍ من بيعِ ثَمَرِ نخلةٍ؛ لصحةِ إيرادِ العقدِ عليها.

٢٢

ولو الثمرُ على رؤوسِ النخلِ، على الظاهرِ، كـ صحةِ بيعِ بُرٍّ في سُنْبُلِه بغير سُنبلِ البُرِّ؛ لاحتمال الربا، وباقِلاءٍ، وأرُزٍّ، وسِمْسِمٍ في قِشْرِها، وجَوْزٍ، ولَوْزٍ، وفُستُقٍ في قِشرِها الأوَّلِ، وهو الأعلى، وعلى البائع إخراجُه، إلا إذا باع بما فيه.

وهل له خيارُ الرؤية؟ الوجهُ: نعم. فتح.

وإنما بَطَلَ بيعُ ما في تَمرٍ، وقُطْنٍ، وضَرْعٍ، من نوىً، وحَبٍّ، ولَبَنٍ؛ لأنه معدومٌ عُرْفًا.

٢٣

وأجرةُ كَيْلٍ ووَزْنٍ وعَدٍّ وذَرْعٍ: على بائعٍ؛ لأنه من تمامِ التسليم.

٢٤

وأجرةُ وَزْنِ ثمنٍ، ونَقْدِه، وقَطْعِ ثمرٍ، وإخراجِ طعامٍ من سفينةٍ: على مُشترٍ إلا إذا قَبَضَ البائعُ الثمنَ، ثم جاء يَردُّه بعيبِ الزَّيافَة.

فرعٌ: ظَهَرَ بعدَ نَقْدِ الصرَّافِ أن الدراهمَ زُيوفٌ: رَدَّ الأجرةَ.

وإن وَجَدَ البعضَ: فبقَدْرِه. نهر عن إجارةِ البزازية.

وأما الدلَّالُ: فإن باع العينَ بنفسه، بإذن ربِّها: فأجرتُه على البائع، وإن سعى بينهما، وباع المالكُ بنفسِه: يُعتبرُ العُرْفُ، وتمامُه في شرح الوهبانية.

٢٥

ويُسلِّمُ الثمنَ أوَّلًا في بيعِ سلعةٍ بدنانيرَ ودراهمَ إن أحضر البائعُ السلعةَ.

٢٦

وفي بيعِ سلعةٍ بمِثلِها، أو ثمنٍ بمِثلِه: سَلَّما معًا، ما لم يكُنْ أحدُهما دَيْنًا، كسَلَمٍ، وثمنٍ مؤجَّلٍ.

ثم التسليمُ يكونُ بالتخليةِ، على وجهٍ يَتمكَّنُ من القبضِ، بلا مانعٍ، ولا حائلٍ.

وشَرَطَ في الأجناس شَرْطًا ثالثًا، وهو أن يقولَ: خلَّيْتُ بينكَ وبين المبيعِ، فلو لم يَقُلْهُ، أو كان بعيدًا: لم يَصِرْ قابضًا، والناسُ عنه غافلون، فإنهم يشترون قريةً، ويُقِرُّون بالتسليم والقبضِ، وهو لا يصحُّ به القبضُ، على الصحيح.

وكذا الهبةُ، والصدقةُ. خانية، وتمامُه فيما علَّقْناه على الملتقى.

٢٧

وَجَدَه، أي البائعُ الثمنَ زُيوفًا: ليس له استردادُ السلعةِ، وحَبْسُها به؛ لسقوطِ حقِّه بالتسليم.

وقال زفرُ: له ذلك، كما لو وَجَدَه رَصاصًا، أو سَتُّوقةً، أو مُستَحَقًّا، وكالمرتهن. منية.

٢٨

قَبَضَ بَدَلَ دراهمِه الجِيَادِ، التي كانت له على زيدٍ، زُيوفًا، على ظنِّ أنها جِيادٌ، ثم عَلِمَ بأنها زُيوفٌ: يَرُدُّها، ويَستَرِدُّ الجيادَ إن كانت قائمةً، وإلا: فلا يَرُدُّ، ولا يَستَرِدُّ، كما لو عَلِمَ بذلك عندَ القبض.

وقال أبو يوسف: يَرُدُّ مثلَ الزيوفِ، ويَرجِعُ بالجِياد، كما لو كانت رصاصًا، أو سَتُّوقةً.

٢٩

اشترى شيئًا، وقَبَضَه، ومات مُفلِسًا قبلَ نَقْدِ الثمن: فالبائعُ أسوةٌ للغرماء. و عندَ الشافعيّ: هو أحقُّ به، كما لو لم يَقبِضْه المشتري، فــــ إنَّ البائعَ أحقُّ به، اتفاقًا.

ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: إذا مات المشتري مفلِسًا، فوَجَدَ البائعُ متاعَه بعَيْنِه: فهو أسوةٌ للغرماء. شرح مجمع، للعيني.

فروعٌ:

باع نصفَ الزرعِ بلا أرضٍ: إن باعه الأكّارُ لربِّ الأرض: جاز، وبعكسِه: لا، إلا إذا كان البَذْرُ من الأكّارِ، فينبغي أن يجوزَ. خانية.

باع شجرًا، أو كَرْمًا مُثمِرًا: لا يَدخلُ الثمرُ، وحينئذٍ فيُعارُ الشجرُ إلى الإدراكِ.

فلو أبى المشتري إعارتَه: خُيِّرَ البائعُ: إن شاء أبطَلَ البيعَ، أو قَطَعَ الثمرَ. جامع الفصولين.

قال في النهر: ولا فَرْقَ يَظهرُ بين المشتري والبائعِ.

باب خيار الشرط

وَجْهُ تقديمِه، مع بيان تقسيمِه: مُبيَّنٌ في الدرر.

ثم الخياراتُ بَلَغَتْ سبعةَ عشر: الثلاثةَ الـمُبَوَّبَ لها، وخيارَ تعيينٍ، وغَبْنٍ، ونَقْدٍ، وكميةٍ، واستحقاقٍ، وتغريرٍ فعليٍّ، وكشفِ حالٍ، وخيانةِ مرابحةٍ، وتَوْليةٍ، وفَواتِ وَصْفٍ مَرغوبٍ فيه، وتفريقِ صفقةٍ بهلاكِ بعضِ مبيعٍ، وإجازةِ عقدِ الفضولي، وظهورِ المبيع مستأجَرًا، أو مرهونًا. أشباه، من أحكام الفُسُوخ.

قال: ويُفسَخ بإقالةٍ، وتَحالُفٍ، فبَلَغَتْ تسعةَ عشر شيئًا، وأغلبُها ذكرها المصنِّفُ، يَعرفُه من مارَسَ الكتابَ.

١

صحَّ شَرْطُه للمتبايعَيْن معًا، ولأحدِهما ولو وصيًا، ولغيرِهما ولو بعدَ العقد، لا قبلَه. تتارخانية.

٢

في مَبيعٍ كلّه، أو بعضِه، كثُلُثِه، أو رُبُعِه ولو فاسدًا.

ولو اختلفنا في اشراطه: فالقولُ لنافِيه، على المذهب.

٣

ثلاثةَ أيام، أو أقلَّ، وفَسَدَ عندَ إطلاقٍ، أو تأبيدٍ، لا أكثَرَ، فيَفسُدُ، فلكلٍّ فَسْخُه، خلافًا لهما.

٤

غيرَ أنه يجوزُ إن أجاز مَن له الخيارُ في الثلاثةِ، فيَنْقَلِبُ صحيحًا، على الظاهر.

٥

وصحَّ شَرْطُه أيضًا في لازِمٍ يَحتملُ الفسخَ، كمزارعةٍ، ومعاملةٍ، وإجارةٍ، وقسمةٍ، وصُلْحٍ عن مالٍ ولو بغير عَيْنِه.

٦

وكتابةٍ، وخُلْعٍ، ورهنٍ، وعِتْقٍ على مالٍ لو شُرِطَ لزوجةٍ، وراهنٍ، وقِنٍّ ونحوِها، ككفالةٍ، وحوالةٍ، وإبراءٍ، وتسليمِ شفعةٍ بعد الطلبَيْن، ووقفٍ عندَ الثاني. أشباه، وإقالةٍ. بزازية، فهي ستةَ عشر.

لا في نكاحٍ، وطلاقٍ، ويمينٍ، ونذرٍ، وصرفٍ، وسَلَمٍ، وإقرارٍ، إلا الإقرارَ بعقدٍ يَقبَلُه. أشباه، ووكالةٍ، ووصيةٍ. نهر، فهي تسعةٌ.

وقد كنتُ غيَّرتُ ما نَظَمَه في النهر، فقلتُ:

يأتي خيارُ الشَّرْطِ في الإجارةِ والـبـــيـعِ والإبــراءِ والـكـفــــــــــــــــــالَـةِ

والرهنِ والـعـتـقِ وتَــرْكِ الشـفـعـةِ والصلحِ والخلعِ كذا والقسمةِ

والـــــــوقــــــفِ والـحــوالــةِ الإقـــالـــةِ لا الـصـرفِ والإقــرارِ والـوكـالـةِ

ولا الـنـكـاحِ والـطـلاقِ والسَّـلَمْ نــــــذرٍ وأَيْـــمـــانٍ فــــهـذا يُــغــتَـــنَــمْ

خيار النقد:
٧

فإن اشترى شخصٌ شيئًا، على أنه، أي المشتريَ، إن لم يَنْقُدْ ثمنَه إلى ثلاثةِ أيامٍ فلا بيعَ: صحَّ؛ استحسانًا، خلافًا لزفر.

فلو لم يَنقُدْ في الثلاثة: فَسَدَ، فنَفَذَ عِتْقُه بعدَها لو في يده، فليُحفَظ.

٨

و إن اشترى كذلك إلى أربعةِ أيامٍ: لا يصحُّ، خلافًا لمحمدٍ.

٩

فإن نَقَدَ في الثلاثةِ: جاز، اتفاقًا؛ لأن خيارَ النقدِ مُلْحَقٌ بخيارِ الشرط، فلو تَرَكَ التفريعَ: لكان أَوْلى.

١٠

ولا يَخرُجُ مَبيعٌ عن مِلْكِ البائعِ مع خيارِه فقط، اتفاقًا، فيَهلِكُ على المشتري بقيمته، أي بدلِه؛ ليَعُمَّ المِثْليَّ.

١١

إذا قَبَضَه بإذنِ البائع يومَ قَبْضِه، كالمقبوضِ على سَوْمِ الشراء، فإنه بعدَ بيانِ الثمنِ: مضمونٌ بالقيمِة، بالغةً ما بَلَغَتْ. نهر ولو شَرَطَ المشتري عدمَ ضمانِه. بزازية.

ولو في يدِ الوكيل: ضَمِنَه من مالِه بلا رجوعٍ، إلا بأمْرِه بالسَّوْمِ. خانية.

وأما على سَوْمِ النظرِ: فغيرُ مضمونٍ مطلقًا.

وعلى سَوْمِ الرهنِ: بالأقلِّ من قيمتِه، ومن الدَّيْن.

وعلى سَوْمِ القرضِ: بقرضٍ ساوَمَه به.

وعلى سَوْمِ النكاحِ لأمةٍ: بقيمتِها. نهر.

١٢

ويَخرُجُ عن مِلْكِه، أي البائعِ، مع خيارِ المشتري فقط، فيَهلِكُ بيدِه بالثمن، كتعيُّبِه فيها بعيبٍ لا يَرتفعُ، كقَطْعِ يدٍ، فتلزمُه قيمتُه في المسألةِ الأُولى.

وللبائِعِ فَسْخُ البيع، وأَخْذُ نقصانِ القيميِّ، لا المثليِّ؛ لشُبْهةِ الربا. حدادي، وثمنُه في الثانية.

ولو يَرتفعُ، كمرضٍ، فإن زال في المدةِ: فهو على خِيارِه، وإلا: لَزِمَه العقدُ؛ لتعذَّرِ الردِّ. ابنُ كمال.

١٣

ولا يَملِكُه المشتري؛ خلافًا لهما؛ لئلا يصيرَ سائبةً.

قلنا: السائبةُ: هي التي لا مِلْكَ فيها لأحدٍ، ولا تعلَّقَ ملكٍ، والثاني: موجودٌ هنا، ويَلزمُكُمُ اجتماعُ البدلَيْن، والعَوْدُ على موضوعِه بالنَّقْضِ بشراءِ قريبِه.

١٤

ولا يَخرجُ شيءٌ منهما، أي من مَبيعٍ وثمنٍ من مِلْكِ بائعٍ ومُشترٍ عن مالِكِه، اتفاقًا، إذا كان الخيارُ لهما، وأيُّهما فَسَخَ في المدةِ: انفسخ البيعُ، وأيُّهما أجاز: بطل خيارُه فقط.

١٥

و هذا الخلافُ تظهرُ ثمرتُه في عَشْرِ مسائلَ، جَمَعَها العينيّ في قولِه: إسْحاقُ! عِزَّكَ فَخِّمْ:

الألفُ: من الأمة، لو اشتراها بخيارٍ، وهي زوجتُه: بقيَ النكاحُ.

والسينُ: من الاستبراء، فحيضُها في المدة: لا يُعتبَرُ استبراءً.

والحاءُ: من الـمَحْرَمِ، فلا يَعتِقُ مَحْرَمُه.

والقافُ: من القِرْبان لمنكوحتِه المشتراة: فله ردُّها، إلا إذا نَقَصَها به.

والعينُ: من الوديعةِ عندَ بائعِه، فتَهلِكُ على البائع؛ لارتفاع القبضِ بالردِّ؛ لعدم الملكِ.

والزايُ: من الزوجةِ المشتراةِ، لو وَلَدَتْ في المدةِ، في يدِ البائع: لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ.

ولو في يدِ المشتري: لَزِمَه العقدُ؛ لأن الولادةَ عيبٌ. درر، وابنُ كمال، وفي البحر عن الخانية: إذا وَلَدَتْ: بَطَلَ خيارُه.

وإن كان الولدُ ميتًا، ولم تنقُصْها الولادةُ: لا يبطلُ خيارُه، وأقرَّه المصنِّفُ.

والكافُ: من الكَسْبِ للعبدِ في المدة، فهو للبائع بعدَ الفسخ.

والفاءُ: من الفسخِ لبيعِ الأَمَةِ، فلا استبراءَ على البائع.

والخاءُ: من الخمر، فلو شَرَاه ذميٌّ من مِثلِه بالخيار، فأسلم أحدُهما: فهو للبائع. عيني، وتَبِعَهُ المصنِّفُ، لكنَّ عبارةَ ابنِ الكمال: وأسلم المشتري.

والميمُ: من المأذونِ، لو أبرأه البائعُ من الثمنِ: صحَّ؛ استحسانًا، وبقيَ خيارُه؛ لأنه يلي عدمَ التملَّكِ.

كلّ ذلك عندَه، خلافًا لهما.

قلتُ: وزِيدَ على ذلك مسائلُ، منها:

التاءُ: للتعليق، كـ: إن مَلَكْتُه فهو حرٌّ، فشَراه بخيارٍ: لم يَعتِقْ.

والتاءُ: واستدامةُ السكنى بإجارةٍ، أو إعارةٍ: ليس باختيار.

والصادُ: وصَيْدٌ شَراه بخيارٍ، فأحرم: بطل البيعُ.

والدالُ: والزوائدُ الحادِثةُ في المدة بعدَ الفسخ: للبائع.

والراءُ: والعصيرُ في بيعِ مسلمَيْن لو تخمَّرَ في المدة: فَسَدَ، خلافًا لهما.

فينبغي أن يُرْمَزَ لها بلفظ: تتصدَّرُ، ويُضَمَّ لرَمْز الرَّمْز، ولم أَرَه لأحدٍ، فليُحفَظ.

١٦

أجاز مَن له الخيارُ ولو أجنبيًا: صحَّ ولو معَ جَهْلِ صاحبِه، إجماعًا، إلا أن يكونَ الخيارُ لهما، وفَسَخَ أحدُهما: فليس للآخَرِ الإجازةُ؛ لأن المفسوخَ لا تَلحَقُه الإجازةُ.

١٧

فإن فَسَخَ بالقول: لا يصحُّ، إلا إذا عَلِمَ الآخَرُ في المدة، فلو لم يعلَمْ لَزِمَ العقدُ.

والحيلةُ: أن يَستوثِقَ بكفيلٍ؛ مخافةَ الغَيْبةِ، أو يَرفَعَ الأمرَ للحاكم؛ ليَنصِبَ مَن يَرُدُّ عليه. عيني.

قيَّدنا بالقول: لصحتِه بالفعلِ بلا عِلْمِه، اتفاقًا، كما أفاده بقوله:

١٨

وتمَّ العقدُ بموته، ولا يَخلُفُه الوارثُ، كخيارِ رؤيةٍ، وتغريرٍ، ونَقْدٍ؛ لأنَّ الأوصافَ لا تُورَثُ.

وأما خيارُ العيبِ، والتعيينِ، وفَواتِ الوصفِ المرغوبِ فيه: فيَخلُفُه الوارثُ فيها، لا أنه يَرِثُ خيارَه. درر، فليُحفَظ.

١٩

ومُضِيِّ المدةِ وإن لم يَعلَم؛ لمرضٍ، أو إغماءٍ.

٢٠

والإعتاقِ، ولو لبعضِه، وتوابعِه.

وكذا كلّ تصرُّفٍ لا يَنفُذُ، أوْ لا يَحِلُّ إلا في الملكِ، كإجارةٍ ولو بلا تسليمٍ، في الأصح، ونَظَرٍ إلى فرجٍ داخلٍ، بشهوةٍ، والقولُ لـمُنكِرِ الشهوة. فتح.

ومُفادُه: أنه لو اشتراها بالخيار على أنها بِكْرٌ، فوطئها ليَعلَمَ أهيَ بِكْرٌ، أمْ لا: كان إجازةً، ولو وَجَدَها ثيِّبًا، ولم يَلَْبَثْ: فله الردُّ بهذا العيب. نهر، وسيجيءُ في بابِه، ولو فَعَلَ البائعُ ذلك: كان فسخًا.

٢١

وطَلَبِ الشفعةِ وإن لم يأخُذْها. معراج، بها، أي بدارٍ، فيها خيارُ الشرط، بخلافِ خيارِ رؤيةٍ، وعيبٍ. معراج.

٢٢

من المشتري، إذا كان الخيارُ له؛ لأنه دليلُ الإجازة.

٢٣

ولو شَرَطَ المشتري، أو البائعُ، كما يُفيدُه كلامُ الدرر، وبه جَزَمَ البَهْنَسِيُّ، الخيارَ لغيرِه، عاقدًا كان، أو غيرَه. بهنسي: صحَّ؛ استحسانًا، وثبت الخيارُ لهما.

٢٤

فإن أجاز أحدُهما من النائبِ، والمستنيبِ، أو نَقَضَ: صحَّ إن واقَفَه الآخَرُ.

٢٥

وإن أجاز أحدُهما، وعَكَسَ الآخَرُ: فالأسبقُ أَوْلى؛ لعدم الـمُزاحِم.

٢٦

ولو كانا معًا: فالفسخُ أحقُّ، في الأصح. زيلعي؛ لأن الـمُجازَ يُفسَخُ، والمفسوخُ: لا يُجاز.

٢٧

واعتُرِضَ بأنه يُجازُ؛ لِمَا في المبسوط: لو تفاسَخَا، ثم تراضيا على فَسْخِ الفسخِ، وعلى إعادةِ العقدِ بينهما: جاز، إذْ فَسْخُ الفسخِ: إجازةٌ، وأُجيبَ بمنع كونِه إجازةً، بل بيعٌ ابتداءً.

٢٨

باع عبدَيْن على أنه بالخيارِ في أحدِهما، إن فصَّلَ ثمنَ كلِّ واحدٍ منهما، وعيَّنَ الذي فيه الخيارُ: صحَّ البيع؛ للعلم بالـمَبيعِ والثمنِ.

٢٩

وإلا يُعيِّنْ، ولا يُفصِّلْ، أو عيَّنَ فقط، أو فصَّلَ فقط: لا يصحُّ؛ لجهالةِ المبيعِ والثمنِ، أو أحدِهما.

٣٠

وكذا لو كان الخيارُ للمشتري تتأتَّى أيضًا الأنواعُ الأربعُ.

فرعٌ: وكَّلَه ببيعٍ بشرطِ الخيارِ، فباع بلا شَرْطٍ: لم يجز.

ولو وكّلَه بالشراء، والحالةُ هذه: نَفَذَ على الوكيل.

والفرقُ: أن الشراءَ متى لم يَنفُذْ على الآمِرِ: يَنفُذُ على المأمور، بخلافِ البيع. فتح، وسيجيءُ في الفضوليّ، والوكالةِ، فليُحفَظ.

٣١

وصحَّ خيارُ التعيينِ في القِيْميَّات، لا في المثليَّاتِ؛ لعدم تفاوتِها ولو للبائع، في الأصح. كافي؛ لأنه قد يَرِثُ قيميًا، ويَقبِضُه وكيلُه، ولا يَعرِفُه، فيبيعُه بهذا الشرطِ، فمَسَّتِ الحاجةُ إليه. نهر.

٣٢

فيما دونَ الأربعةِ؛ لاندفاعِ الحاجةِ بالثلاثةِ؛ لوجودِ جيدٍ، ورديءٍ، ووَسَطٍ.

ومُدَّتُه: كخيارِ الشرطِ.

ولا يُشترَطُ معه خيارُ شرطٍ، في الأصح. فتح.

٣٣

ولو اشتريا شيئًا، على أنهما بالخيارِ، فرَضِيَ أحدُهما بالبيع، صريحًا، أو دلالةً: لا يَرُدُّه الآخَرُ، بل بَطَلَ خيارُه، خلافًا لهما.

٣٤

وكذا الخلافُ في خيار الرؤيةِ، والعيبِ، فليس لأحدِهما الردُّ بعدَ الرؤية، أي بعدَ رؤيةِ الآخَرِ، أو رضاه بالعيب.

خلافًا لهما؛ لضررِ البائعِ بعيبِ الشركة.

٣٥

كما يَلزمُ البيعُ لو اشترى رجُلٌ عبدًا من رجلَيْن صَفقةً واحدةً، على أنّ الخيارَ لهما للبائعَيْن، فرضِيَ أحدُهما، دونَ الآخَرِ: فليس لأحدِهما الانفرادُ، إجازةً أو ردًّا، خلافًا لهما. مجمع.

٣٦

اشترى عبدًا بشرط خَبْزِه، أو كَتْبِه، أي حِرْفتُه كذلك، فظَهَرَ بخلافِه، بأنْ لم يُوجَد معه أدنى ما يَنطلِقُ عليه اسمُ الكتابةِ، أو الخَبْزِ: أخَذَه بكلِّ الثمنِ إن شاء، أو تَرَكَه؛ لفواتِ الوَصْفِ الـمَرغوب فيه.

ولو ادعى المشتري أنه ليسَ كذلكَ: لم يُجبَرْ على القبضِ حتى يُعلَمَ ذلك.

وكذا سائرِ الحِرَفِ. اختيار.

ولو امتنع الردُّ بسببٍ ما : قُوِّمَ كاتبًا، وغيرَ كاتبٍ، ورَجَعَ بالتفاوت، في الأصح.

٣٧

بخلافِ شرائه شاةً، على أنها حامِلٌ، أو تَحلِبُ كذا رِطْلًا، أو يَخبِزُ كذا صاعًا، أو يَكتبُ كذا قَدْرًا: فَسَدَ؛ لأنه شَرْطٌ فاسدٌ، لا وَصْفٌ، حتى لو شَرَطَ أنها حَلوبٌ، أو لَبُونٌ: جاز، لأنه وَصْفٌ.

٣٨

والقولُ للمُنكِرِ لو اختلفا في شَرْطِ الخيارِ، على الظاهر، كما في دعوى الأجلِ، والـمُضِيِّ، والإجازةِ، والزيادةِ.

٣٩

اشترى جاريةً بالخيار، فرَدَّ غيرَها بدَلَها، قائلًا: بأنها المشتراةُ، فقال البائعُ: ليستْ هيَ، ولا بيِّنةَ له: فالقول ُللمشتري بيمينِه.

٤٠

وجاز للبائع وطؤها. درر، وانعَقدَ بيعًا بالتعاطي. فتح.

وكذا الردُّ في الوديعة، فليُحفَظْ.

٤١

ولو قال البائعُ للمشتري عندَ ردِّه: كان يُحسِنُ ذلك، لكنه نَسِيَ عندَك: فالقولُ للمشتري؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الخَبْزِ، والكتابةِ، فكان الظاهرُ شاهدًا له.

٤٢

ولو اشتراه من غيرِ اشتراطِ كَتْبِه، وخَبْزِه، وكان يُحسِنُ ذلك، فَنَسِيَه في يدِ البائع: ردَّه عليه؛ لتغيُّرِ الـمَبيعِ قبلَ قَبْضِه. زيلعي.

قال: ولو اختار أَخْذَه: أَخَذَه بكلِّ الثمنِ؛ لِمَا مَرَّ أن الأوصافَ لا يقابِلُها شيءٌ من الثمن.

فروعٌ:

باع دارَه بما فيها من الجُذُوع، والأبوابِ، والخشبِ، والنخل، فإذا ليس فيها شيءٌ من ذلك: لا خيارَ للمشتري.

شرى دارًا على أن بناءَها بالآجُرِّ، فإذا هو بلَبِنٍ، أو أرضًا على أن شجرَها كلَّها مُثمِرٌ، فإذا واحدةٌ منها لا تُثمِرُ، أو ثوبًا على أنه مصبوغٌ بعُصْفُرٍ، فإذا هو بزعفرانٍ: فَسَدَ.

ولو على أنها بَغلَةٌ مثلًا، فإذا هو بغلٌ: جاز، وخُيِّرَ.

وبعكسِه: جاز، بلا خيارٍ؛ لكونِه على صفةٍ خيرٍ من الـمَشروط. مجتبى، فليُحفَظِ الضابطُ.

البيعُ لا يبطلُ بالشرطِ في اثنينِ وثلاثين موضعًا، مذكورةً في الأشباه.

شَرَطَ أنها مُغَنِيَّةٌ: إن للتبرِّي: لا يَفسُدُ، وإنْ للرغبة: فَسَدَ. بدائع.

ولو شَرَطَ حَبَلَها: إنِ الشرطُ من المشتري: فَسَدَ، وإنْ من البائع: جازَ؛ لأن حَبَلَها عيبٌ، فذِكْرُه للبراءةِ منه، حتى لو كان في بلدٍ يَرغبون في شراء الإماءِ للأولاد: فَسَدَ. خانية.

ولو شَرَطَ أنها ذاتُ لبنٍ: جاز، على الأكثر.

قلتُ: والضابطُ للأوصافِ: أنَّ كلَّ وَصْفٍ لا غَرَرَ فيه: فاشتراطُه جائزٌ، لا ما فيه غَرَرٌ، إلا أنْ لا يُرغَبَ فيه.

وفي الخانية، في فصلِ الشروط المفسدة: متى عايَنَ ما يُعْرَفُ بالعِيان: انتفى الغَرَرُ.

باب خيار الرؤية

من إضافةِ الـمُسبَّبِ إلى السبب.

وما قيل: من إضافةِ الشيءِ إلى شَرْطِه: ظاهرُ البطلان؛ لِما سيجيءُ أنَّ له الردَّ قبلَ الرؤية.

١

هو يَثبتُ في أربعةِ مواضعَ:

٢

الشراءِ للأعيان، والإجارةِ، والقسمةِ، والصلحِ عن دعوى المالِ على شيءٍ بعَيْنِه؛ لأنَّ كلًّا منها معاوَضةٌ.

فليس في ديونٍ، ونقودٍ، وعقودٍ لا تنفسخُ بالفسخ: خيارُ الرؤية. فتح.

٣

صحَّ الشراءُ والبيعُ لِما لم يَرَياه، والإشارةُ إليه، أي الـمَبيع، أو إلى مكانِه: شَرْطُ الجوازِ.

فلو لم يُشِرْ إلى ذلك: لم يَجُزْ، إجماعًا. فتح، وبحر، وفي حاشية أخي زاده: الأصحُّ: الجوازُ.

٤

وله أي للمشتري أن يَرُدَّه إذا رآه، إلا إذا حَمَلَه البائعُ لبيت المشتري، فلا يَردُّه إذا رآه، إلا إذا أعادَه إلى البائع. أشباه، وإن رضيَ بالقول قَبْلَه، أي قبلَ أن يَراه.

لأن خيارَه معلَّقٌ بالرؤية بالنص، ولا وجودَ للمعلَّقِ قبل الشرط.

٥

ولو فَسَخَه قَبْلَها، قبل الرؤية: صحَّ فَسْخُه، في الأصح. بحر؛ لعدم لزومِ البيعِ بسببِ جهالةِ المبيع، فلم يقع مُنْبَرِمًا.

٦

ويَثبتُ الخيارُ للرؤية مطلَقًا، غيرَ مؤقَّتٍ بمدةٍ، هو الأصحُّ. عناية؛ لإطلاق النصّ، ما لم يوجَدْ مُبْطِلُه، وهو مُبْطِلٌ خيارِ الشرطِ مطلقًا، ومفيدُ الرضا: بعدَ الرؤية، لا قبلَها. درر، فله الأخذُ بالشفعة، ثم رَدُّ الأولِ بالرؤية. درر، من خيارِ الشرط، فليُحفَظ.

٧

ويُشترَطُ لفسخه: عِلْمُ البائع بالفسخ؛ خوفَ الغَرَر.

٨

ولا خيارَ لبائعٍ ما لم يَرَه، في الأصح.

٩

وكفى رؤيةُ ما يُؤذِنُ بالمقصودِ، كوَجْهِ صُبْرةٍ، ورقيقٍ، و وَجْهِ دابةٍ تُركَبُ، وكَفَلِها أيضًا، في الأصح.

و رؤيةِ ظاهرِ ثوبٍ مَطْويٍّ.

وقال زُفرُ: لا بدَّ من نَشْرِه كلِّه، وهو المختارُ، كما في أكثر المعتبرات، قاله المصنِّفُ.

وداخلِ دارٍ، وقال زفرُ: لا بدَّ من رؤيةِ داخلِ البيوت، وهو الصحيحُ، وعليه الفتوى. جوهرة، وهذا اختلافُ زمانٍ، لا برهانٍ.

ومثلُه الكَرْمُ، والبستان.

١٠

و كفى جَسُّ شاةِ لحمٍ.

ونَظَرُ جميعِ جسدِ شاةِ قُنْيَةٍ للدَّرِّ والنَّسْلِ، مع ضَرْعِها. ظهيرية. وضَرْعِ بقرةٍ حَلوبٍ، وناقةٍ؛ لأنه المقصودُ. جوهرة.

١١

و كَفَى ذَوْقُ مَطعومٍ، وشَمُّ مَشمومٍ.

١٢

لا خارجُ دارٍ، وصَحْنُها، على المفتى به، كما مَرَّ.

١٣

أو رؤيةُ دُهْنٍ في زجاجٍ؛ لوجودِ الحائل.

١٤

وكفى رؤيةُ وكيلِ قَبْضٍ، و وكيلِ شراءٍ، لا رؤيةُ رسولِ المشتري، وبيانُه في الدرر.

١٥

وصحَّ عقدُ الأعمى، ولو لغيرِه، وهو كالبصير، إلا في اثنتَيْ عشرةَ مسألةً، مذكورةً في الأشباه.

١٦

وسَقَطَ خيارُه بجَسِّ مَبيعٍ، وشَمِّه، وذَوْقِه فيما يُعرَفُ بذلك، ووَصْفِ عقارٍ، وشجرٍ، وعبدٍ.

وكذا كلُّ ما لا يُعرَفُ بجَسٍّ، وشَمٍّ، وذَوْقٍ. حدادي، أو بنَظَرِ وكيلِه.

ولو أبصَرَ بعدَ ذلك: فلا خيارَ له.

١٧

هذا كلُّه إذا وُجِدَتِ المذكوراتُ، كشَمِّ الأعمى، وكذا رؤيةُ البصيرِ وجهَ الصُّبْرةِ، ونحوها. نهر، قبلَ شرائه.

ولو بعدَه: يَثبتُ له الخيارُ بها، أي بالمذكوراتِ، لا أنها مُسقِطةٌ، كما غَلِطَ فيه بعضُهم، فيَمتدُّ خيارُهُ في جميعِ عُمُرِه، على الصحيح.

١٨

ما لم يوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرضا، من قولٍ أو فعلٍ، أو يتعيَّبْ، أو يَهْلِكْ بعضُه عندَه، ولو قبلَ الرؤية.

ولو أذِنَ للأكَّارِ أن يَزرَعَها قبلَ الرؤية، فزَرَعَها: بطل؛ لأن فِعْلَه بأمره: كفعلِه. عيني.

ولو شرى نافِجةَ مِسْكٍ، فأخرجَ المِسْكَ منها: لم يَرُدَّه بخيارِ رؤيةٍ، ولا عيبٍ؛ لأن الإخراجَ يُدخِلُ عليه عيبًا ظاهرًا. نهر.

١٩

ومن رأى أحدَ ثوبَيْن، فاشتراهما، ثم رأى الآخَرَ: فله ردُّهما إن شاءَ، لا رَدُّ الآخَرِ وحدَه؛ لتفريقِ الصَّفْقة.

٢٠

ولو اشترى ما رأى حالَ كونِه قاصدًا لشرائه عندَ رؤيته، فلو رآه لا لقصدِ شراءٍ، ثم شراه، قيل: له الخيارُ. ظهيرية، ووجهُه: ظاهرٌ؛ لأنه لا يَتأمَّلُ التأمُّلَ الـمُفيدَ. بحر. قال المصنِّفُ: ولقوَّةِ مَدْركِه: عوَّلْنا عليه.

٢١

عالِمًا بأنه مَرْئيُّه السابقُ، وقتَ الشراءِ، فلو لم يَعلَمْ به: خُيِّرَ؛ لعدم الرضا. درر، فلا خيارَ له، إلا إذا تغيَّرَ: فيُخيَّرُ.

٢٢

رأى ثيابًا، فرَفَعَ البائعُ بعضَها، ثم اشترى الباقيَ، ولا يَعرِفُه: فله الخيارُ، وكذا لو كانا مَلْفوفَيْن، وثمنُهما متفاوِتٌ؛ لأنه ربما يكونُ الأردأ بالأكثر ثمنًا.

٢٣

ولو سمَّى لكلِّ واحدٍ من الثيابِ عشرةً: لا خيارَ له؛ لأن الثمنَ لَمَّا لم يختلِفْ: استويا في الأوصاف. بحر.

٢٤

والقولُ للبائع بيمينه إذا اختلَفَا في التغيُّر.

٢٥

هذا لو المدةُ قريبةً، وإن بعيدةً: فـــ القولُ للمشتري؛ عملًا بالظاهر. وفي الظهيرية: الشهرُ، فما فوقَه: بعيدٌ.

وفي الفتح: الشهرُ في مثلِ الدابةِ، والمملوكِ: قليلٌ.

٢٦

كما أنَّ القولَ للمشتري بيمينِه لو اختلَفَا في أصلِ الرؤية؛ لأنه يُنكِرُ الرؤيةَ.

وكذا لو أنكر البائعُ كونَ المردودِ مبيعًا في بيعٍ باتٍّ، أو فيه خيارُ شَرْطٍ، أو رؤيةٍ: فالقولُ للمشتري، ولو فيه خيارُ عيبٍ: فالقولُ للبائع.

والفرقُ: أن المشتريَ يَنفرِدُ بالفسخ في الأول، لا الأخيرِ.

٢٧

اشترى عِدْلًا من متاعٍ، ولم يَرَه، وباع، أو لَبِسَ. نهر، منه ثوبًا بعدَ القبضِ، أو وَهَبَ، وسَلَّمَ: ردَّه بخيارِ عيبٍ، لا بخيارِ رؤيةٍ، أو شَرْطٍ.

الأصلُ أنَّ ردَّ البعضِ يُوجِبُ تفريقَ الصفقةِ، وهو بعدَ التمامِ: جائزٌ، لا قبلَه، فخيارُ الشرطِ والرؤيةِ يَمنعان تمامَها، وخيارُ العيبِ يَمنَعُه قبلَ القبضِ، لا بعدَه.

وهل يعودُ خيارُ الرؤيةِ بعدَ سقوطِه؟

عن الثاني: لا، كخيارِ شَرْطٍ، وصحَّحَه قاضي خان، وغيرُه.

فروعٌ:

شرى شيئًا لم يَرَه: ليس للبائع مطالبتُه بالثمنِ قبلَ الرؤية.

ولو تبايعا عينًا بعَيْنٍ: فلهما الخيارُ. مجتبى.

شرى جاريةً بعبدٍ وألفٍ، فتقابَضَا، ثم ردَّ بائعُ الجاريةِ العبدَ بخيارِ الرؤيةِ: لم يَبطُلِ البيعُ في الجاريةِ بحصةِ الألفِ. ظهيرية؛ لَما مَرَّ أنه لا خيارَ في الدَّيْن.

أراد بيعَ ضَيْعةٍ، ولا يكونُ للمشتري خيارُ رؤيةٍ: فالحيلةُ أن يُقِرَّ بثوبٍ لإنسانٍ، ثم يبيعَ الثوبَ مع الضيعة، ثم الـمُقَرُّ له: يَستحقُّ الثوبَ المقَرَّ به، فيبطلُ خيارُ المشتري؛ للزومِ تفريقِ الصفقةِ، وهو لا يجوز، إلا في الشفعة. ولوالجية.

شرى شيئَيْن، وبأحدِهما عيبٌ: إن قَبَضَهما: له ردُّ الـمَعيبِ، وإلا: لا، لِمَا مَرَّ.

باب خيار العَيْب

هو لغةً: ما يَخلو عنه أصلُ الفِطْرةِ السليمة.

١

وشرعًا: ما أفادَه بقولِه: مَن وَجَدَ بمَشْرِيِّه ما يُنَقِّصُ الثمنَ ولو يسيرًا. جوهرة، عندَ التجَّارِ، المرادُ بهم: أربابُ المعرفةِ بكلِّ تجارةٍ وصَنْعةٍ. قاله المصنِّفُ.

٢

أَخَذَه بكلِّ الثمنِ، أو رَدَّه، ما لم يَتعيَّنْ إمساكُه، كحلالَيْنِ أحرَمَا، أو أحدُهما.

وفي المحيط: وصيٌّ، أو وكيل ٌ، أو عبدٌ مأذونٌ شَرى شيئًا بألفٍ، وقيمتُه ثلاثةُ آلافٍ: لم يَرُدَّه بعيبٍ؛ للإضرارِ بيتيمٍ، وموكِّلٍ، ومَوْلىً.

بخلافِ خيارِ الشرطِ، والرؤية. أشباه.

وفي النهر: وينبغي الرجوعُ بالنقصان، كوارثٍ اشترى من التركةِ كَفَنًا، ووَجَدَ به عيبًا.

ولو تبرَّعَ بالكَفَنِ أجنبيُّ : لا يرجعُ.

وهذه إحدى ستّ مسائلَ لا رجوعَ فيها بالنقصانِ، مذكورةٍ في البزازية، وذَكَرْنا في شرحنا للمتلقى معزيًّا للقنية أنه قد يَرُّدُ بالعيبِ، ولا يَرجعُ بالثمن.

٣

كالإباقِ، إلا إذا أَبَقَ من المشتري إلى البائعِ، في البلدة، ولم يختَفِ عندَه: فإنه ليس بعيبٍ.

واختُلِفَ في الثَّوْرِ، والأحسنُ أنه عيبٌ.

وليس للمشتري مطالبةُ البائع بالثمنِ قبلَ عَوْدِه من الإباق. ابن مَلَك، وقنية.

٤

والبولِ في الفراشِ، والسرقِة، إلا إذا سَرَقَ شيئًا للأكلِ من المولى، أو يسيرًا، كفَلْسٍ، أو فَلْسَيْن.

ولو سَرَقَ عندَ المشتري أيضًا، فقُطِعَ: رَجَعَ برُبُعِ الثمن؛ لقَطْعِه بالسرقتَيْن جميعًا.

ولو رضيَ البائعُ بأخذِه: رَجَعَ بثلاثةِ أرباعِ ثمنِه. عيني.

٥

وكلُّها تختلفُ صِغَرًا، أي مع التمييز، وقدَّرُوه: بخمسِ سنين، أو أن يأكلَ، ويَلبَسَ وحدَه، وتمامُه في الجوهرة.

فلو لم يَأكلْ، ولم يلبَسْ وحدَه: لم يكن عيبًا. ابن مَلَك.

٦

وكِبَرًا؛ لأنها في الصِّغَر: لقصورِ عقلٍ، وضَعْفِ مَثانةٍ: عيبٌ وفي الكِبَرِ: لسوءِ اختيارِ، وداءٍ باطنٍ: عيبٌ آخَرُ.

فعندَ اتحادِ الحالةِ، بأن ثَبَتَ إباقُه عندَ بائعِه، ثم مُشترِيْه كلاهما، في صِغَرِه، أو كِبَرِه: له الردُّ؛ لاتحاد السبب.

وعندَ الاختلافِ: لا لكونِه عيبًا حادِثًا، كعبدٍ حُمَّ عندَ بائعِه، ثم حُمَّ عندَ مشتريه: إنْ من نَوْعِه: له ردُّه، وإلا: لا. عيني.

بقيَ لو وَجَدَه يَبولُ، ثم تعيَّبَ، حتى رَجَعَ بالنقصان، ثم بَلَغَ: هل للبائع أن يسترِدَّ النقصانَ لزوال ذلك العيبِ بالبلوغ؟ ينبغي: نعم. فتح.

٧

والجنونِ، هو اختلالُ القوةِ التي بها إدراكُ الكلِّياتِ. تلويح.

وبه عُلِمَ تعريفُ العقل: أنه القوةُ المذكورةُ، ومَعدِنُه: القلبُ، وشعاعُه: في الدماغ. درر.

٨

وهو لا يَختلِفُ بهما؛ لاتحادِ سببِه، بخلافِ ما مَرَّ، وقيل: يَختلِفُ. عيني.

ومقدارُه: فوقَ يومٍ وليلةٍ، ولا بدَّ من معاوَدِته عندَ المشتري، في الأصح، وإلا فلا رَدَّ إلا في ثلاثٍ:

زنى الجاريةِ، والتولّدِ من الزنى، والولادةِ. فتح.

قلتُ: لكن في البزازية: الولادةُ ليست بعيبٍ، إلا أن تُوجِبَ نقصانًا، وعليه الفتوى، واعتمده في النهر.

وفيه: الحَبَلُ عيبٌ في بناتِ آدمَ، لا في البهائم.

والجُذامُ، والبَرَصُ، والعمى، والعَوَرُ، والحَوَلُ، والصَّمَمُ، والخَرَسُ، والقُروحُ، والأمراضُ: عيوبٌ، وكذا الأَدَرُ، وهو انتفاخُ الأُنثَيْين.

والعِنِّيْنُ، والخَصِيُّ: عيبٌ.

وإن اشترى على أنه خصيٌّ، فوَجَدَه فَحْلًا: فلا خيارَ له. جوهرة.

٩

والبَخَرِ: نَتَنُ الفمِ، والدَّفَرِ: نَتَنُ الإبْطِ، وكذا نَتَنُ الأنفِ. بزازية.

١٠

والزنى، والتولُّدِ منه، كلُّها عيبٌ فيها، لا فيه، ولو أمردَ، في الأصح. خلاصة.

١١

إلا أن يَفحُشَ الأوَّلان فيه، بحيث يَمنعُ الـقُرْبَ من المولى، أو يكونَ الزنى عادةً له، بأن يَتكرَّرَ أكثرَ من مرتين.

واللواطةُ بها: عيبٌ مطلقًا.

وبه: إن مجانًا؛ لأنه دليلُ الأُبْنَةِ، وإن بأجرٍ: لا. قنية.

وفيها: شرى حمارًا تَعلوه الحُمُرُ: إن طاوَعَ: فعيبٌ، وإلا: لا.

وأما التخنُّثُ بلِيْنِ صوتٍ، وتكَسُّرِ مَشْيٍ: فإن كَثُرَ: رُدَّ، لا إن قلَّ. بزازية.

١٢

والكفرِ بأقسامِه، وكذا الرَّفْضُ، والاعتزالُ. بحر، بحثًا، عيبٌ فيهما، ولو المشتري ذميًا. سراج.

١٣

وعدمِ الحيضِ لبنتِ سبعةَ عشرَ، وعندَهما: خمسةَ عشر.

ويُعرَفُ بقولِها إذا انضمَّ إليه نُكولُ البائع قبلَ القبضِ، وبعدَه، هو الصحيح. ملتقى.

ولا تُسمَعُ في أقلَّ من ثلاثةِ أشهرٍ، عندَ الثاني.

١٤

والاستحاضةِ، والسُّعَالِ القديمِ، لا المعتادِ.

١٥

والدَّيْنِ الذي يُطالَبُ به في الحالِ، لا المؤجَّلِ لعِتْقِه، فإنه ليس بعيبٍ، كما نَقَلَه مسكين عن الذخيرة، لكن عمَّمَ الكمالُ، وعلَّلَه بنقصان وَلائه، وميراثه.

١٦

والشَّعْرِ، والماءِ في العَيْنِ، وكذا كلُّ مرضٍ فيها: فهو عيبٌ. معراج، كسَبَلٍ، وحَوَصٍ، وكثرةِ دَمْعٍ.

١٧

والثُؤْلولِ: بمثلَّثةٍ، كزُنْبورٍ: بَُثْرٌ صغارٌ، صُلْبٌ، مستديرٌ، على صورٍ شتى، جَمْعُه: ثآليل. قاموس، وقيَّدَه بالكثرةِ بعضُ شُرَّاحِ الهداية: عَيْبٌ.

١٨

وكذا الكَيُّ: عيبٌ، لو عَنْ داءٍ، وإلا: لا.

وقَطْعُ الأصبعِ: عيبٌ، والأصبعان: عَيبان، والأصابعِ مع الكفّ: عيبٌ واحدٌ.

والعَسِرُ: هو مَن يَعملُ بيسارِه فقط، إلا أن يَعمَلَ باليمينِ أيضًا، كعُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه.

والشيبُ.

وشُرْبُ خمرٍ جهرًا، وقِمَارٌ إن عُدَّ عيبًا.

وعدمُ ختانِهما لو كبيرَيْن، مولَّدَيْن.

وعدمُ نَهْقِ حمارٍ.

وقلَّةُ أكْلِ دوابَّ، ونكاحٌ، وكَذِبٌ، ونميمةٌ، وتَرْكُ صلاةٍ، لكن في القنية: تَرْكُها في العبدِ: لا يُوجِبُ الردَّ.

وفيها: لو ظَهَرَ أن الدارَ مشؤومةٌ: ينبغي أن يَتمكَّنَ من الردِّ؛ لأن الناسَ لا يَرغبون فيها.

وفي المنظومة المحبية: والخالُ عيبٌ لو على الذَّقَنِ، أو الشَّفَةِ، لا الخَدِّ، والعيوبُ كثيرةٌ، برَّأنا اللهُ منها.

١٩

حَدَثَ عيبٌ آخَرُ عندَ المشتري، بغيرِ فِعْلِ البائع، فلو به: بعدَ القبضِ: رَجَعَ بحصَّتِه من الثمنِ، ووَجَبَ الأَرْشُ.

وأما قَبْلَه: فله أَخْذُه، أو ردُّه بكلِّ الثمنِ مطلقًا.

ولو بَرْهَنَ البائعُ على حدوثِه، والمشتري على قِدَمِه: فالقولُ للبائع، والبينةُ للمشتري.

ولا يُرَدُّ جبرًا ما لَه حِمْلٌ ومؤنةٌ، إلا في بلدِ العقدِ. بحر.

٢٠

رَجَعَ بنُقْصانِه، إلا فيما استُثنِيَ.

ومنه: ما لو شَراه توليةً، أو خاطَه لطفلِه. زيلعي، أو رضِيَ به البائعُ. جوهرة.

٢١

ولو الردُّ برضا البائعِ، إلا لمانعِ عيبٍ، أو زيادةٍ.

٢٢

كأنِ اشترى ثوبًا، فقَطَعَه، فاطَّلَعَ على عيبٍ قديمٍ: رَجَعَ به، أي بنقصانه؛ لتعذَّرِ الردِّ بالقطع.

٢٣

فإن قَبِلَه البائعُ كذلك: له ذلك؛ لأنه أسقط حقَّه.

٢٤

ولو اشترى بعيرًا، فنَحَرَه، فوَجَدَ أمعاءَه فاسدةً: لا يرجعُ؛ لإفسادِ ماليَّتِه.

٢٥

كما لا يَرجعُ لو باع المشتري الثوبَ كلَّه، أو بعضَه، أو وَهَبَه بعدَ القطع؛ لجواز ردِّه مقطوعًا، لا مَخيطًا، كما أفاده بقوله:

٢٦

فلو قَطَعَه المشتري، وخاطَهُ، أو صَبَغَه، بأيِّ صِبْغٍ كان. عيني، أو لَتَّ السَّويقَ بسمنٍ، أو خَبَزَ الدقيقَ، أو غَرَسَ، أو بَنَى، ثم اطَّلَعَ على عيبٍ: رَجَعَ بنُقْصانِه؛ لامتناعِ الردِّ بسببِ الزيادة لِحَقِّ الشرع؛ لحصول الربا.

حتى لو تراضيا على الردِّ: لا يَقضي القاضي به. درر، وابن كمال.

٢٧

كما يَرجعُ لو باعه، أي الـمُمتَنِعَ ردُّه في هذه الصُّوَرِ بعدَ رؤيةِ العيبِ، قبلَ الرضا به صريحًا أو دلالةً.

٢٨

أو مات العبدُ، المرادُ: هلاكُ المبيع ِعندَ المشتري، أو أعتَقَه، أو دَبَّرَ، أو استولَدَ، أو وَقَفَ قبلَ عِلْمِه بعيبه.

٢٩

أو كان المبيعُ طعامًا، فأَكَلَه، أو بعضَه، أو أطعَمَه عبدَه، أو مدبَّرَه، أو أمَّ ولدِه، أو لَبِسَ الثوبَ حتى تخرَّقَ: فإنه يَرجعُ بالنقصان؛ استحسانًا عندَهما، وعليه الفتوى. بحر.

وعنهما: يَرُدُّ ما بقِيَ، ويرجعُ بنقصانِ ما أَكَلَ، وعليه الفتوى. اختيار، وقهستاني.

ولو كان في وعاءَيْن: فله ردُّ الباقي بحصته من الثمن، اتفاقًا. ابن كمال، وابن مَلَك، وسيجيء.

قلتُ: فعلى ما في الاختيار، والقهستانيّ يترجَّحُ القياسُ، فتنبَّه.

٣٠

ولو أعتقه على مالٍ، أو كاتَبَه، أو قَتَلَه، أو أَبَقَ، أو أطعَمَه طفلَه، أو امرأتَه، أو مكاتَبَه، أو ضيفَه. مجتبى، بعدَ اطلاعِه على عيبٍ، كذا ذَكَرَه المصنِّفُ تَبَعًا للعيني في الرمز.

لكن ذَكَرَ في المجمع في الجميع قبلَ الرؤيةِ، وأقرَّه شُرَّاحُه حتى العيني، فيُفيدُ البَعديةَ بالأَوْلوية، فتنبَّه.

٣١

لا يرجعُ بشيءٍ؛ لامتناع الردِّ بفِعْلِه.

والأصلُ: أنَّ كلَّ موضعٍ للبائع أَخْذُه مَعيبًا: لا يرجعُ بإخراجِه عن مِلْكِه، وإلا: رَجَعَ. اختيار.

وفيه: الفتوى على قولِهما في الأكلِ، وأقرَّه القهستانيّ.

٣٢

شَرى نحوَ بَيْضٍ، وبِطِّيخٍ، كجَوْزٍ وقِثَّاءٍ، فكَسَرَه، فوَجَدَه فاسدًا، يُنتفَعُ به، ولو عَلَفًا للدواب: فله إن لم يتناوَلْ منه شيئًا بعدَ عِلْمِهِ بعيبِه نقصانُه، إلا إذا رضيَ البائعُ به.

ولو عَلِمَ بعيبِه قبلَ كَسْرِه: فله ردُّه.

٣٣

وإن لم يُنتفَعْ به أصلًا: فله كلُّ الثمنِ؛ لبطلانِ البيع.

ولو كان أكثرُه فاسدًا: جاز بحصتِه، عندَهما. نهر.

وفي المجتبى: لو كان سَمْنًا ذائبًا، فأكَلَه، ثم أقرَّ بائعُه بوقوعِ فأرةٍ فيه: رَجَعَ بنقصانِ العيبِ عندَهما، وبه يُفتى.

٣٤

باع ما اشتراه، فرَدَّ المشتري الثاني عليه بعيبٍ: ردَّه على بائعِه لو رُدَّ عليه بقضاءٍ؛ لأنه فَسْخٌ، ما لم يَحدُثْ به عيبٌ آخَرُ عندَه، فيَرجعُ بالنقصان.

٣٥

وهذا لو بعدَ قَبْضِه، فلو قَبْلَه: رَدَّه مطلقًا في غيرِ العقارِ، كالردِّ بخيارِ الرؤية، أو الشرط. درر.

وهذا إذا باعه قبلَ اطلاعِه على العيب، فلو بعدَه: فلا ردَّ مطلقًا. بحر.

وهذا في غيرِ النقدَيْن؛ لعدم تعيُّنِهما، فله الردُّ مطلقًا. شرح مجمع.

٣٦

ولو ردَّه برضاه بلا قضاءٍ: لا، وإن لم يَحدُثْ مثلُه، في الأصح؛ لأنه إقالةٌ.

٣٧

ادعى عيبًا موجبًا لفسخٍ، أو حَطِّ ثمنٍ بعدَ قَبْضِه المبيعَ: لم يُجبَرِ المشتري على دَفْعِ الثمنِ للبائع، بل يُبرْهِنُ المشتري لإثباتِ العيبِ، أو يُحَلِّفُ بائعَه على نفيِه، ويَدفعُ الثمنَ إن لم يكن شهودٌ.

٣٨

وإن ادّعى غَيبةَ شهودِه: دَفَعَ الثمنَ إن حَلَفَ بائعُه.

ولو قال: أُحضِرُهم إلى ثلاثةِ أيامٍ: أجَّلَه.

٣٩

ولو قال: لا بينةَ لي: فحَلَّفَه، ثم أتى بها: تُقبَلُ؛ خلافًا لهما. فتح. ولَزِمَ العيبُ بنُكولِه، أي البائعِ عن الحَلِفِ.

٤٠

ادَّعى المشتري إباقًا، ونحوَه مما يُشرتطُ لردِّه وجودُ العيبِ عندَهما، كبولٍ، وسرقةٍ، وجنونٍ: لم يُحلَّفْ بائعُه إذا أنكر قيامَه للحال، حتى يُبرهِنَ المشتري أنه قد أَبَقَ عندَه.

فإن برهَنَ: حَلَفَ بائعُه عندَهما: بالله ما أَبَقَ، وما سَرَقَ، وما جُنَّ قطُّ.

وفي الكبير: بالله ما أَبَقَ مُذْ بَلَغَ مَبلَغَ الرجال؛ لاختلافِه صِغَرًا، وكِبَرًا.

واعلَم أن العيوبَ أنواعٌ: 1- خَفِيٌّ كإباق، وعُلِمَ حُكْمُه.

2- وظاهرٌ، كعَوَرٍ، وصَمَمٍ، وأصبعٍ زائدةٍ، أو ناقصةٍ، فيُقضى بالردِّ بلا يمينٍ؛ للتيقَّنِ به إذا لم يدَّعِ الرضا به.

3- وما لا يَعرِفُه إلا الأطباءُ، ككَبِديٍّ، فيكفي قولُ عَدْلٍ.

ولإثباتِه عندَ بائعِه: عَدْلَيْن.

4- وما لا يَعرِفُه إلا النساءُ، كرَتَقٍ، فيكفي قولُ الواحدةِ، ثم يُحلَّفُ البائعُ. عيني.

قلتُ: وبقيَ خامسٌ: ما لا يَنظرُه الرجالُ والنساءُ، ففي شرح قاضي خان. شرى جاريةً، وادّعى أنها خُنثى: حُلِّفَ البائع.

٤١

استُحِقَّ بعضُ المبيع: فإن كان استحقاقُه قَبْلَ القبضِ للكلِّ: خُيِّرَ في الكلِّ؛ لتفرُّقِ الصفقة.

٤٢

وإن بعدَه: خُيِّرَ في القِيميِّ، لا في غيرِه؛ لأن تبعيضَ القيميُ عيبٌ، لا المثليِّ، كما سيجيء.

٤٣

وإن شرى شيئَيْن، فـــ قَبَضَ أحدَهما، دونَ الآخَرِ: فحُكْمُه حكمُ ما قَبْلَ قَبْضِهما، فلو استُحِقَّ، أو تعيَّبَ أحدُهما: خُيِّرَ.

٤٤

وهو، أي خيارُ العيبِ: بعدَ رؤيةِ العيبِ، على التراخي، على المعتَمَد، وما في الحاوي: غريبٌ. بحر.

٤٥

فلو خاصَمَ، ثم تَرَكَ، ثم عاد، وخاصَمَ: فله الردُّ، ما لم يوجَدْ مُبْطِلُه، كدليلِ الرضا. فتح.

وفي الخلاصة: لو لم يَجِدِ البائعَ حتى هَلَكَ: رَجَعَ بالنقصان.

٤٦

واللُّبسُ، والركوبُ، والـمُداواةُ، له، أو به. عيني: رضًا بالعيبِ الذي يُداويه فقط، ما لم يَنْقُصْه. بِرْجَنْدِي.

وكذا كلُّ مفيدٍ رضًا بعدَ العلمِ بالعيب: يَمنعُ الردَّ، والأرشَ.

ومنه: العرضُ على البيع، إلا الدراهمَ إذا وَجَدَها زُيوفًا، فعَرَضَها على البيع: فليس برضًا، كعَرْضِ ثوبٍ على خياطٍ لينظرَ أيكفيه أم لا؟ أو عَرْضِه على المقوِّمِين ليُقَوَّمَ.

ولو قال له البائع: أتبيعُه؟ قال: نَعَمْ: لَزِمَ.

ولو قال: لا: لا، لأن: نَعَم: عَرْضٌ على البيع، و: لا: تقريرٌ لـمِلْكِه. بزازية.

٤٧

لا يكونُ رضًا الركوبُ للردِّ على البائع، أو لشراءِ العَلَفِ لها، أو للسَّقْي، و الحالُ أنَّ المشتريَ لا بدَّ له منه، أي الركوبِ؛ لعَجْزٍ، أو صعوبةٍ.

وهل هو قيدٌ للأخيرَيْن، أو للثلاثة؟

استظهر البِرْجَنْدِيُّ الثانيَ، واعتمَدَ المصنِّفُ تبعًا للدرر، والبحر والشمنيِّ، وغيرهم الأولَ.

ولو قال البائعُ: ركبتَها لحاجتِكَ، وقال المشتري: بل لأرُدَّها، فالقولُ للمشتري. بحر.

وفي الفتح: وَجَدَ بها عيبًا في السفر، فحَمَّلَها: فهو عُذْرٌ.

٤٨

اختلفا بعدَ التقابضِ في عددِ الـمَبيع، أواحدٌ، أو متعدِّدٌ؟ ليتوزَّعَ الثمنُ على تقديرِ الردِّ، أو في عددِ الـمَقبوضِ: فالقولُ للمشتري؛ لأنه قابضٌ والقولُ للقابضِ مطلقًا، قَدْرًا، أو صفةً، أو تعيينًا.

فلو جاء ليَرُدَّه بخيارِ شَرْطٍ، أو رؤيةٍ، فقال البائعُ: ليس هو الـمَبيعَ: فالقولُ للمشتري في تعيينه.

ولو جاء ليَرُدَّه بخيارِ عيبٍ: فالقولُ للبائع، كما لو اختلفا في طولِ المبيع، وعَرْضِه. فتح.

٤٩

اشترى عبدَيْن، أي شيئَيْن، يُنتفَعُ بأحدِهما وحدَه، صفقةً واحدةً، وقَبضَ أحدَهما، ووَجَدَ به، أو بالآخَرِ عيبًا، لم يَعلَمْ به إلا بعدَ القبضِ: أَخَذَهما، أو ردَّهما.

ولو قَبَضَهما: ردَّ الـمَعِيبَ بحصتِه سالمـًا وحدَه؛ لجوازِ التفريقِ بعدَ التمام، كما لو قَبَضَ كيليًا، أو وزنيًا، أو زَوْجَيْ خُفٍّ، ونحوَه، كزَوْجَيْ ثَوْرٍ، ألِفَ أحدُهما الآخَرَ، بحيثُ لا يَعملُ بدونِه.

٥٠

ووَجَدَ ببعضِه عيبًا: فإنَّ له ردَّ كلِّه، أو أَخْذَه بعيبِه؛ لأنه كشيءٍ واحدٍ.

ولو في وعاءَيْن، على الأظهر. عناية، وهو الأصحُّ. برهان.

٥١

اشترى جاريةً، فوطئِها، أو قبَّلَها، أو مَسَّها بشهوةٍ، ثم وَجَدَ بها عيبًا: لم يَرُدَّها مطلقًا، ولو ثيِّبًا، خلافًا للشافعي، وأحمدَ.

ولنا: أنه استوفى ماءَها، وهو جزؤها.

ولو الواطئُ زوجَها: إن ثيِّبًا: ردَّها، وإن بِكْرًا: لا. بحر.

٥٢

ورَجَعَ بالنقصان؛ لامتناعِ الردِّ.

وفي المنظومة الـمُحبية:

لو شَرَطَ بكارتَها فبانت ثيبًا لم يَرُدَّها بل يَرجعُ بأربعين درهمًا نقصانِ هذا العيب.

وفي ((الحاوي))، و((الملتقط)): الثيوبةُ ليست بعيبٍ، إلا إذا شَرَطَ البكارةَ، فيردُّها؛ لعدم المشروط.

إلا إذا قبِلَها البائعُ؛ لأن الامتناعَ لـحَقِّه، فإذا رضِيَ: زال الامتناعُ.

٥٣

ويعودُ الردُّ بالعيبِ القديمِ بعدَ زوالِ العيبِ الحادث؛ لعَوْدِ الممنوع بزوال المانع. درر، فيَردُّ الـمَبيعَ مع النقصان، على الراجح. نهر.

٥٤

ظَهَرَ عيبٌ بمَشْرِيِّ البائعِ الغائبِ، وأثبتَه عندَ القاضي، فوَضَعَه عندَ عَدْلٍ، فإذا هَلَكَ: هَلَكَ على المشتري، إلا إذا قضى القاضي بالردِّ على بائعِه؛ لأن القضاءَ على الغائبِ بلا خصمٍ: يَنفُذُ، على الأظهر. درر.

٥٥

قُتِلَ العبدُ المقبوضُ، أو قُطِعَ بسببٍ كان عندَ البائع، كقتلٍ، أو رِدَّةٍ: رَدَّ المقطوعَ، أو أمسَكَه، ورَجَعَ بنصفِ ثمنِه. مجمع، وأخَذَ ثمنَهما، أي ثمنَ المقطوعِ، والمقتول.

ولو تداوَلَتْه الأيدي، فقُطِعَ عندَ الأخيرِ، أو قُتِلَ: رَجَعَ الباعةُ بعضُهم على بعضٍ وإن عَلِمُوا بذلك؛ لكونِه كالاستحقاق، لا كالعيب، خلافًا لهما.

٥٦

وصحَّ البيعُ بشَرْطِ البراءةِ من كلِّ عيبٍ وإن لم يُسَمِّ.

خلافًا للشافعيِّ؛ لأن البراءةَ عن الحقوقِ المجهولةِ: لا تصح عنده.

وتصحُّ عندنا؛ لعدم إفضائه إلى المنازعة.

٥٧

ويَدخلُ فيه: الموجودُ، والحادِثُ بعدَ العقد، قبلَ القبض، فلا يَرُدُّ بعيبٍ، وخصَّه مالكٌ، ومحمدٌ بالموجودِ، كقولِه: مِن كلِّ عيبٍ به.

ولو قال: مما يَحدُثُ: صحَّ: عندَ الثاني، وفَسَدَ: عندَ الثالث. نهر.

٥٨

أبرأه مِن كلِّ داءٍ: فهو على المرض، وقيل: على ما في الباطنِ، واعتمده المصنِّفُ تبعًا للاختيار، والجوهرة؛ لأنه المعروفُ في العادة، وما سواه في العُرْفِ: مرضٌ.

ولو أبرأه من كلِّ غائلةٍ: فهيَ السرقةُ، والإباقُ، والزنى.

٥٩

اشترى عبدًا، فقال لـمَن ساوَمَه إياه: اشتَرِه، فلا عيبَ به، فلم يتَّفِقْ بينهما البيعُ، فَوَجَدَ مُشتَريه به عيبًا: فله ردُّه على بائعِه بشَرْطِه.

٦٠

ولا يَمنَعُه من الردِّ عليه إقرارُه السابقُ بعدمِ العيب؛ لأنه مجازٌ عن الترويج.

٦١

ولو عيَّنَه، أي العيبَ، فقال: لا عَوَرَ به، أو لا شَلَلَ: لا يَردُّه؛ لإحاطةِ العلمِ به، إلا أنْ لا يَحدُثَ مثلُه، كــ: لا أصبعَ به زائدةً، ثم وَجَدَها: فله ردُّه؛ للتيقُّن بكَذِبِه.

٦٢

قال لآخَرَ: عبدي هذا آبِقٌ، فاشتَرِه مني، فاشتراه، وباع من آخَرَ، فوَجَدَه المشتري الثاني آبقًا: لا يَردُّه بما سَبَقَ من إقرارِ البائع الأولِ، ما لم يُبَرْهِنْ أنه أَبَقَ عندَه.

لأن إقرارَ البائعِ الأولِ ليس بحُجَّةٍ على البائع الثاني الموجودِ منه السكوتُ.

٦٣

اشترى جاريةً لها لَبَنٌ، فأرضَعَتْ صبيًا له، ثم وَجَدَ بها عيبًا: كان له أن يَرُدَّها؛ لأنه استخدامٌ.

بخلاف الشاةِ الـمُصَرَّاةِ: فلا يَردُّها مع لبنِها، أو صاعِ تمرٍ، بل يرجعُ بالنقصانِ، على المختار. شروح مجمع، وحرَّرْناه فيما علَّقْناه على المنار.

٦٤

كما لو استخدَمَها في غيرِ ذلك، ففي المبسوط: الاستخدامُ بعدَ العلمِ بالعيب: ليس برضًا؛ استحسانًا؛ لأن الناسَ يتوسَّعون فيه، فهو للاختبار.

وفي البزازية: الصحيحُ أنه رضًا في المرةِ الثانيةِ، إلا إذا كان في نوعٍ آخَرَ.

وفي الصغرى: أنه مرةً: ليس برضًا، إلا على كُرْهٍ من العبد. بحر.

٦٥

قال المشتري: ليسَ به، بالـمَبيع، أصبعٌ زائدةٌ، أو نحوُه مما لا يَحدُثُ مثلُه في تلكِ المدةِ، ثم وَجَدَ به ذلك: كان له الردُّ بلا يمينٍ؛ لِما مَرَّ.

٦٦

باع عبدًا، وقال للمشتري: بَرِئتُ إليكَ من كلِّ عيبٍ به، إلا الإباقَ، فوَجَدَه آبقًا: فله الردُّ.

ولو قال: إلا إباقَه، فوجده آبقًا: لا؛ لأنه في الأولِ لم يُضِفِ الإباقَ للعبد، ولا وَصَفَه به، فلم يكن إقرارًا بإباقِه للحال، وفي الثاني: أضافه إليه، فكان إخبارًا بأنه آبقٌ، فيكونُ راضيًا به قبلَ الشراء. خانية.

وفيها: لو برئ مِن كلِّ حَقٍّ له قِبَلَه: دَخَلَ العيبُ، لا الدَّرَكُ.

٦٧

مُشتَرٍ لعبدٍ أو أمةٍ قال: أعتَقَ البائعُ العبدَ، أو دبَّرَ، أو استولَدَ الأمةَ، أو: هو حُرُّ الأصلِ، وأنكَرَ البائعُ: حُلِّفَ؛ لعَجْزِ المشتري عن الإثبات.

٦٨

فإن حَلَفَ: قُضِيَ على المشتري بما قالَه من العِتْقِ، ونحوِه، لإقراره بذلك، ورَجَعَ بالعيبِ إن عَلِمَ به؛ لأن الـمُبطِلَ للرجوع إزالتُه عن مِلْكِه إلى غيرِه بإنشائه، أو إقرارِه، ولم يوجد.

٦٩

حتى لو قال: باعه، وهو مِلْكُ فلانٍ، وصدَّقَه فلانٌ، وأَخَذَه: لا يرجعُ بالنقصان؛ لإزالتِه بإقرارِه، كأنه وَهَبَه.

٧٠

وَجَدَ المشتري في غنيمةٍ مُحرَزَةٍ بدارِنا، أو غيرَ محرَزَةٍ لو البيعُ من الإمامِ، أو أمينِه. بحر، قال المصنِّفُ: فقَيْدُ: مُحرزَة: غيرُ لازمٍ.

٧١

عيبًا: لا يَردُّ عليهما؛ لأن الأمينَ لا يَنتصِبُ خصمًا، بل يَنصِبُ له الإمامُ خصمًا، فيرُدُّ على منصوبِ الإمام.

ولا يُحلِّفُه؛ لأن فائدةَ الحَلِفِ: النكولُ، ولا يصحُّ نكولُه، وإقرارُه.

٧٢

فإذا رَدَّ عليه الـمَعيبَ، بعدَ ثبوتِه: يُباعُ، ويُدفَعُ الثمنُ إليه، ويُرَدُّ النَّقْصُ والفضلُ إلى مَحلِّه؛ لأن الغُرْمَ بالغُنْمِ. درر.

٧٣

وَجَدَ المشتري بمَشْرِيِّه عيبًا، وأراد الردَّ به، فاصطلحا على أنْ يَدفعَ البائعُ الدراهمَ إلى المشتري، ولا يَردَّ عليه: جاز، ويُجعَلُ حَطًّا من الثمن.

٧٤

وعلى العكسِ، وهو أن يصطَلِحا على أنْ يَدفعَ المشتري الدراهمَ إلى البائع، ويَرُدَّ عليه: لا يصحُّ؛ لأنه لا وجهَ له غيرُ الرِّشْوةِ، فلا يجوز.

وفي الصغرى: ادعى عيبًا، فصالَحَه على مالٍ، ثم بَرِئَ، أو ظَهَرَ أنْ لا عيبَ: فللبائع أنْ يرجعَ بما أدَّى، ولو زال بمعالجةِ المشتري: لا. قنية.

٧٥

رضِيَ الوكيلُ بالعيبِ: لَزِمَ الموكِّلَ إن كان الـمَبيعُ مع العيبِ الذي به يساوي الثمنَ المسمَّى، وإلا يُساوِه: لا يَلزمُ الموكِّلَ. اهـ

فروعٌ:

لا يَحِلُّ كِتْمانُ العيبِ في مَبيعٍ، أو ثمنٍ؛ لأنَّ الغِشَّ حرامٌ، إلا في مسألتين: الأُولى: الأسيرُ إذا شَرى شيئًا ثمَّةَ، ودَفَعَ الثمنَ مغشوشًا: جاز إن كان حرًا، لا عبدًا.

الثانيةُ: يجوزُ إعطاءُ الزُّيوفِ والناقصِ في الجِبايات. أشباه.

وفيها: ردُّ المبيعِ بعيبٍ بقضاءٍ: فَسْخٌ في حقِّ الكلِّ، إلا في مسألتين:

إحداهما: لو أحالَ البائعُ بالثمنِ، ثم رُدَّ المبيعُ بعيبٍ بقضاءٍ: لم تَبْطُلِ الحوالةُ.

الثانيةُ: لو باعه بعدَ الردِّ بعيبٍ بقضاءٍ من غيرِ المشتري، وكان منقولًا: لم يجُزْ قبلَ قَبْضِه، ولو كان فسخًا: لجاز.

وفي البزازية: شرى عبدًا، فضَمِنَ له رجلٌ عيوبَه، فاطَّلَعَ على عيبٍ، وردَّه: لم يَضمَنْ؛ لأنه ضمانُ العُهْدة، وضمَّنَه الثاني؛ لأنه ضمانُ العيوب.

وإن ضَمِنَ السرقةَ، أو الحريةَ، أو الجنونَ، أو العَمَى، فوَجَدَه كذلك: ضَمِنَ الثمنَ.

وفي جواهر الفتاوى: شرى ثمرةَ كَرْمٍ، ولا يُمكِنُ قِطافُها لغلبةِ الزَّنابير: إنْ بعدَ القبضِ: لم يَرُدَّه، وإن قبلَه: فإن انتقَصَ الـمَبيعُ بتناوُلِ الزنابير: فله الفسخُ؛ لتفرُّقِ الصفقةِ عليه.

باب البيع الفاسد

المرادُ بالفاسدِ: الممنوعُ، مجازًا عُرْفيًا، فيَعُمُّ الباطلَ، والمكروهَ، وقد يُذكَرُ فيه بعضُ الصحيحِ تبعًا.

وكلُّ ما أَوْرَثَ خَللًا في رُكنِ البيعِ: فهو مُبطِلٌ، وما أورثَه في غيرِه: فمُفسِدٌ.

١

بَطَلَ بيعُ ما ليسَ بمالٍ.

والمالُ: ما يَميلُ إليه الطَّبْعُ، ويجري فيه البَذْلُ والـمَنْعُ. درر، فخَرَجَ الترابُ، ونحوُه.

٢

كالدمِ المسفوحِ، فجاز بيعُ كَبِدٍ، وطِحَالٍ.

٣

والميتةِ، سوى سمكٍ، وجَرَادٍ.

ولا فَرْقَ في حقِّ المسلمِ بين التي ماتَتْ حَتْفَ أَنْفِها، أو بخَنِْقٍ، ونحوِه.

٤

والحُرِّ، والبيعُ به، أي جَعْلُه ثمنًا بإدخال الباء عليه؛ لأن ركنَ البيع: مبادلةُ المالِ بالمالِ، ولم يُوجَدْ.

٥

والمعدومِ، كبيعِ حَقِّ التَّعَلِّي، أي عُلْوٍ سَقَطَ؛ لأنه معدومٌ.

ومنه: بيعُ ما أصلُه غائبٌ، كجَزَرٍ، وفُجْلٍ، أو بعضُه معدومٌ، كوَرْدٍ، وياسمينٍ، ووَرَقِ فِرْصادٍ.

وجوَّزه مالكٌ؛ لتعامُلِ الناس، وبه أفتى بعضُ مشايخِنا؛ عملًا بالاستحسان.

هذا إذا نَبَتَ، ولم يُعلَمْ وجودُه، فإذا عُلِمَ: جاز، وله خيارُ الرؤيةِ.

وتكفي رؤيةُ البعضِ عندَهما، وعليه الفتوى. شرح مجمع.

٦

والمضامينِ: ما في ظُهورِ الآباءِ من الـمَنِيِّ.

٧

والملاقيحِ: جَمْعُ: مَلْقوحةٍ: ما في البطنِ من الجنين.

٨

والنِّتاجِ: بكَسْرِ النون: حَبَلُ الحَبَلةِ، أي نتاجُ النِّتاجِ، لدابَّةٍ، أو آدميٍّ.

٩

وبيعُ أَمَةٍ تَبيَّن أنه، ذَكَّرَ الضميرَ: لتذكير الـخَبَرِ، عبدٌ، وعكسُه، بخلافِ البهائم، والأصلُ: أنَّ الذَّكَرَ والأنثى من بني آدمَ: جنسان حُكْمًا، فيَبطُلُ، وفي سائرِ الحيوانات: جنسٌ واحدٌ، فيصحُّ، ويَتخيَّرُ؛ لفَواتِ الوَصْف.

١٠

ومَتْروكِ التسميةِ عمدًا، ولو من كافرٍ. بزازية، وكذا ما ضُمَّ إليه؛ لأن حُرْمَتَه بالنص.

١١

وبيعُ الكِرَابِ، وكَرْيِ الأنهارِ؛ لأنه ليسَ بمالٍ متقوِّمٍ.

بخلافِ بناءٍ، وشجرٍ، فيصحُّ إذا لم يُشترَطْ تَرْكُها. ولوالجية.

١٢

وما في حُكْمِه، أي حُكْمِ ما ليسَ بمالٍ، كأمِّ الولدِ، والمكاتَبِ، والمدبَّرِ الـمُطلَقِ، فإنَّ بيعَ هؤلاءِ باطلٌ، أي بقاءً، فلم يُملَكوا بالقبضِ، لا ابتداءً، فصحَّ بيعُهم من أنفسِهم.

وبيعُ قِنٍّ ضُمَّ إليهم. درر.

وقولُ ابنِ الكمال: بيعُ هؤلاءِ باطلٌ موقوفٌ: ضعَّفَه في البحر، بأن المرجَّحَ اشتراطُ رضا المكاتَبِ قبلَ البيع، وعدمُ نفاذِ القضاءِ ببيع أمِّ الولد، وصحَّحَ في الفتح نفاذَه.

قلتُ: الأوجَهُ: توقُّفُه على قضاءٍ آخَرَ، إمضاءً أو ردًّا. عيني، ونهر، فليكُنِ التوفيقَ.

وفي السراج: وَلَدُ هؤلاء: كــ: هُم، وبيعُ مبعَّضٍ: كــ: حُرٍّ.

١٣

و بَطَلَ بيعُ مالٍ غيرِ متقوِّمٍ، أي غيرِ مباحِ الانتفاعِ به. ابن كمال، فليُحفَظ، كخمرٍ، وخنزيرٍ، وميتةٍ لم تَمُتْ حَتْفَ أنفِها، بل بالخَنْقِ، ونحوِه، فإنها مالٌ عندَ الذميِّ، كخمرٍ، وخنزيرٍ.

١٤

وهذا إن بيعَتْ بالثمنِ، أي بالدَّيْنِ، كدراهمَ، ودنانيرَ، ومكيلٍ، وموزونٍ: بَطَلَ في الكلِّ، وإن بِيعَتْ بعَينٍ، كعَرْضٍ: بَطَلَ في الخمر، وفَسَدَ في العَرْضِ، فيَملِكُه بالقبضِ بقيمتِه. ابن كمال.

١٥

و بَطَلَ بيعُ قِنٍّ ضُمَّ إلى حُرٍّ، وذَكِيَّةٍ ضُمَّتْ إلى ميتةٍ ماتَتْ حَتْفَ أنفِها، قيَّدَ به: لتكونَ كالـحُرِّ وإن سمّى ثمنَ كلٍّ، أي فصَّلَ الثمنَ، خلافًا لهما.

ومبنى الخلافِ: أن الصفقةَ لا تتعدَّدُ بمجرَّدِ تفصيلِ الثمنِ، بل لا بدَّ من تَكرارِ لفظِ: العقدِ، عندَه، خلافًا لهما.

وظاهر النهاية: يفيدُ أنه فاسدٌ.

١٦

بخلاف بيعِ قِنٍّ ضُمَّ إلى مُدَبَّرٍ، أو نحوِه: فإنه يصحُّ، أو قِنِّ غيرِه.

ومِلْكٍ ضُمَّ إلى وقفٍ غيرِ المسجدِ العامرِ: فإنه كالحرِّ.

١٧

بخلاف الغامِر: بالمعجمة: الـخَرَابِ: فكمدبَّرٍ. أشباه، من قاعدة: إذا اجتمع الحرامُ والحلالُ، ولو مَحكومًا به، في الأصحِّ.

خلافًا لِما أفتى به الـمُنلا أبو السعود.

فيصحُّ بحصته في القِنِّ، وعبدِه، والملكِ؛ لأنها مالٌ في الجملة.

ولو باع قريةً، ولم يَستثنِ المساجدَ، والمقابرَ: لم يصحَّ. عيني.

١٨

كما بَطَلَ بيعُ صبيٍّ لا يَعقِلُ، ومجنونٍ شيئًا.

١٩

وبولِ، ورَجِيعِ آدميٍّ لم يَغلِبْ عليه ترابٌ، فلو مغلوبًا به: جاز، كسِرْقينٍ، وبَعْرٍ، واكتفى في البحر بمجرَّدِ خَلْطِه بترابٍ.

٢٠

وشَعْرِ إنسانٍ؛ لكرامةِ الآدميِّ، ولو كافرًا. ذَكَرَه المصنِّفُ، وغيرُه، في بحثِ شعر الخنزير.

٢١

وبيعُ ما ليس في مِلْكِه؛ لبطلانِ بيعِ الـمَعدومِ، وما لَه خَطَرُ العَدَم.

٢٢

لا بطريقِ السَّلَمِ، فإنه صحيحٌ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعِ ما ليسَ عندَ الإنسانِ، ورَخَّصَ في السَّلَم.

٢٣

و بَطَلَ بيعٌ صُرِّحَ بنفيِ الثمنِ فيه؛ لانعدام الركنِ، وهو المالُ.

٢٤

و البيعُ الباطلُ حُكْمُه: عدمُ مِلْكِ المشتري إياه إذا قَبَضَه، فلا ضمانَ لو هَلَكَ المبيعُ عندَه؛ لأنه أمانةٌ.

وصَحَّحَ في القنية ضمانَه، قيل: وعليه الفتوى.

وفيها: بيعُ الحربيِّ أباه، أو ابنَه، قيل: باطلٌ، وقيل: فاسدٌ.

وفي وصاياها: بيعُ الوصيِّ مالَ اليتيمِ بغَبْنٍ فاحشٍ: باطلٌ، وقيل فاسدٌ، ورُجِّحَ.

وفي النُّتَف: بيعُ المضطر، وشراؤه: فاسدٌ.

٢٥

وفَسَدَ بيعُ ما سُكِتَ، أي وَقَعَ السكوتُ فيه عن الثمنِ، كبيعِه بقيمتِه.

٢٦

و فَسَدَ بيعُ عَرْضٍ، هو المتاعُ القيميُّ. ابن كمال، بخمرٍ، وعكسُه، فينعقدُ في العَرْضِ، لا الخمرِ، كما مَرَّ.

٢٧

و فَسَدَ بيعُه، أي العَرْضِ، بأمِّ الولد، والمكاتبِ، والمدبَّرَ، حتى لو تقابَضَا: مَلَكَ المشتري للعَرْضِ، العَرْضَ؛ لِمَا مَرَّ أنهم مالٌ في الجملة.

٢٨

و فَسَدَ بيعُ سمكٍ لم يُصَدْ لو بالعَرْضِ، وإلا: فباطلٌ؛ لعدم الملك. صدر الشريعة.

٢٩

أو صِيدَ، ثم أُلقِيَ في مكانٍ لا يُؤخَذُ منه إلا بحيلةٍ؛ للعجزِ عن التسليم، وإن أُخِذَ بدونِها: صحَّ، وله خيارُ الرؤية، إلا إذا دَخَلَ بنفسِه، ولم يَسُدَّ مَدخَلَه، فلو سَدَّه: مَلَكَه.

ولم تجُزْ إجارةُ بِرْكَةٍ ليُصادَ منها السمكُ. بحر.

٣٠

و بيعُ طيرٍ في الهواءِ، لا يَرجعُ بعدَ إرسالِه من يدِه، أما قبلَ صيدِه: فباطلٌ أصلًا؛ لعدم الملك.

٣١

وإن كان يطيرُ، ويرجعُ، كالحَمَام: صحَّ، وقيل: لا ورجَّحَه في النهر.

٣٢

و بيعُ الحَمْلِ، أي الجنين، وجَزَمَ في البحر ببطلانه، كالنِّتَاجِ.

٣٣

وأمةٍ، إلا حَمْلَها؛ لفسادِه بالشرط، بخلافِ هبةٍ، ووصيةٍ.

٣٤

ولبنٍ في ضَرْعٍ، وجَزَمَ البِرْجَنْدِيُّ ببطلانِه.

٣٥

ولؤلؤٍ في صَدَفٍ؛ للغرر.

٣٦

وصُوفٍ على ظَهْرِ غَنَمٍ، وجَوَّزَه الثاني، ومالكٌ.

وفي السراج: لو سلَّمَ الصوفَ واللبنَ بعدَ العقدِ: لم ينقلبْ صحيحًا.

وكذا كلَّ ما اتصالُه خِلْقيٌّ، كجلدِ حيوانٍ، ونوى تمرٍ، وبِزْرِ بِطيخ؛ لِما مَرَّ أنه معدومٌ عُرْفًا.

وإنما صحَّحوا بيعَ الكُرَّاثِ، وشجرِ الصَّفْصَافِ، وأوراقِ التوتِ بأغصانِها: للتعامُل.

وفي القنية: باع أوراقَ توتٍ لم تُقطَعْ قبلَه بسَنَةٍ: جاز، وبسنتَيْن: لا؛ لأنه يَشتبِهُ موضعُ قَطْعِه عُرْفًا.

٣٧

وجِذْعٍ معيَّنٍ في سَقْفٍِ، أما غيرُ المعيَّن: فلا ينقلبُ صحيحًا. ابن كمال.

٣٨

وذِراعٍ من ثوبٍ يَضُرُّه التبعيضُ، فلو قُطِعَ، وسُلِّم قبلَ فَسْخِ المشتري: عاد صحيحًا.

ولو لم يضرَّه القطعُ، ككِرْباسٍ: جاز؛ لانتفاءِ المانع.

٣٩

وضَرْبةِ القانِصِ: بقافٍ، ونونٍ: الصائدُ.

٤٠

والغائصِ: بغَيْنٍ معجمةٍ: الغوَّاصُ.

والبيعُ فيهما: باطلٌ؛ للغرر. بحر، ونهر، والكمال، وابن الكمال.

قال المصنِّفُ: وقد نَظَمَه منلا خسرو في سِلْكِ الفاسِدِ، فتبِعتُه في المختصر.

ويجبُ أن يُرادَ به: الباطلُ؛ لأنه مما ليسَ في مِلْكِه، كما مَرَّ.

٤١

والـمُزابنةِ، هي: بيعُ الرُّطَبِ على النخلِ، بتمرٍ مقطوعٍ، مثلِ كَيْلِه تقديرًا. شروح مجمع.

ومثلُه: العنبُ بالزبيبِ. عناية؛ للنهي، ولشُبْهةِ الربا.

قال المصنِّفُ: فلو لم يكن رُطَبًا: جاز، لاختلافِ الجنس.

٤٢

والـمُلامَسَةِ للسلعةِ.

٤٣

والـمُنَابَذَةِ، أي نَبْذِها للمشتري.

٤٤

وإلقاءِ الحَجَرِ عليها، وهي من بيوعِ الجاهليةِ، فنُهِيَ عنها كلِّها. عيني؛ لوجودِ القمار، فكانت فاسدةً إن سَبَقَ ذِكْرُ الثمن. بحر.

٤٥

وبيعِ ثوبٍ من ثوبَيْن، أو عبدٍ من عبدَيْن؛ لجهالةِ الـمَبيع.

فلو قَبَضَهما، وهَلَكَا معًا: ضَمِنَ نصفَ قيمةِ كلٍّ، إِذِ الفاسدُ معتبرٌ بالصحيح، ولو مُرَتَّبَيْن: فقيمةُ الأولِ؛ لتعذُّر رَدِّه، والقولُ لضامن.

وهذا إذا لم يَشتَرِطْ خيارَ التعيين، فلو شَرَطَ أخْذَ أيِّهما شاء: جاز؛ لِمَا مَرَّ.

٤٦

والـمَراعي، أي الكلأ، وإجارتُها.

أما بطلانُ بيعِها: فلعدمِ المِلك؛ لحديث: الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ، والكلأ، والنار.

وأما بطلانُ إجارتِها: فلأنها على استهلاكِ عينٍ. ابن كمال.

وهذا إذا نَبَتَ بنفسِه، وإن أنبَتَه بسَقْيٍ، وتربيةٍ: مَلَكَه، وجاز بيعُه. عيني، وقيل: لا.

قال: وبيعُ القَصيلِ، والرَّطْبةِ على ثلاثةِ أوجهٍ: إنْ ليقطعَه، أو ليُرسلَ دابتَه، فتأكلَه: جاز، وإنْ ليتركَه: لم يجز.

وحِيْلتُه: أن يَستأجِرَ الأرضَ لضَرْبِ فُسطاطِه، أو لإيقافِ دوابِّه، أو لمنفعةٍ أخرى، كمَقيلٍ، ومُراحٍ، وتمامُه في وقف الأشباه.

٤٧

ويُباعُ دودُ القَزِّ، أي الإبريسَمِ، وبيضُه، أي بِزْرُه، وهو بِزْرُ الفَيْلَقِ الذي فيه الدودُ.

٤٨

والنَّحْلُ الـمُحرَزُ، وهو دودُ العسل، وهذا عند محمدٍ، وبه قالتِ الثلاثةُ، وبه يُفتى. عيني، وابن ملك، وخلاصة، وغيرها.

وجوَّزَ أبو الليثِ بيعَ العَلَقِ، وبه يُفتى؛ للحاجة. مجتبى.

٤٩

بخلافِ غيرِهما من الهَوَامِّ، فلا يجوزُ، اتفاقًا، كحيَّاتٍ، وضَبٍّ، وما في بحرٍ، كسَرَطانٍ، إلا السمكَ، وما جاز الانتفاعُ بجِلْدِه، أو عَظْمِه.

والحاصلُ: أنَّ جوازَ البيعِ: يدورُ مع حِلِّ الانتفاع. مجتبى، واعتمده المصنِّفُ، وسيجيءُ في المتفرِّقَات.

فرعٌ: إنما تجوزُ الشركةُ في القَزِّ إذا كان البيضُ منهما، والعملُ منهما، وهو بينهما أنصافًا، لا أثلاثًا.

فلو دَفَعَ بِزْرَ القَزِّ، أو بقرةً، أو دجاجًا لآخَرَ بالعَلَفِ مناصفةً: فالخارجُ كلَّه للمالكِ؛ لحُدُوثِه من مِلْكِه، وعليه قيمةُ العَلَفِ، وأجرُ مِثْلِ العاملِ. عيني، ملخَّصًا، ومثلُه: دَفْعُ البيضِ، كما لا يخفى.

٥٠

والآبِقِ، ولو لطفلِه، أو ليتيمٍ في حِجْرِه.

ولو وَهَبَه لهما: صحَّ. عيني، وما في الأشباه: تحريفٌ. نهر.

٥١

وإلا ممَّن يزعُمُ أنه، أي الآبقَ، عندَه، فحينئذٍ يجوزُ؛ لعدمِ المانع.

وهل يصيرُ قابضًا إن قَبَضَه لنفسِه، أو قَبَضَه، ولم يُشهِدْ؟

نعم، وإن أشهَدَ: لا؛ لأنه قَبْضُ أمانةٍ، فلا ينوبُ عن قَبْضِ الضمان؛ لأنه أقوى. عناية، وإلا إذا أبَقَ من الغاصبِ، فباعه المالكُ منه: فإنه يصحُّ؛ لعدمِ لزومِ التسليم. ذخيرة.

٥٢

ولو باعه، ثم عاد، وسلَّمَه: يَتِمُّ البيعُ على القول بفسادِه، ورجَّحَه الكمالُ، وقيل: لا يتمُّ على القولِ ببطلانه، وهو الأظهرُ من الرواية، واختارَه في الهداية، وغيرِها، وبه كان يُفتي البلخيُّ، وغيرُه. بحر، وابن كمال.

٥٣

ولبنِ امرأةٍ، ولو في وعاءٍ، ولو أمةً، على الأظهر؛ لأنه جزءُ آدميٍّ، والرِّقُّ مختَصٌّ بالحيِّ، ولا حياةَ في اللبنِ، فلا يَحُلُّه الرِّقُّ.

٥٤

وشعرِ الخنزيرِ؛ لنجاسةِ عَيْنِه، فيَبطلُ بيعُه. ابن كمال.

٥٥

وإن جاز الانتفاعُ به؛ لضرورةِ الخَرْزِ.

حتى لو لم يوجدْ بلا ثمنٍ: جاز الشراءُ؛ للضرورةِ، وكُره البيعُ، فلا يطيبُ ثمنُه.

ويُفسِدُ الماءَ، على الصحيح، خلافًا لمحمدٍ.

قيل: هذا: في الـمَنتوف، أما الـمَجزوزُ: فطاهرٌ. عناية.

وعن أبي يوسف: يُكره الـخَرْزُ به؛ لأنه نجسٌ، ولذا لم يَلبَسِ السلفُ مثلَ هذا الخُفِّ. ذَكَرَه القهستانيُّ، ولعلَّ هذا في زمانهم، وأما في زماننا: فلا حاجةَ إليه، كما لا يخفى.

٥٦

وجلدِ ميتةٍ قبلَ الدبغِ، لو بالعَرْضِ، ولو بالثمن: فباطلٌ.

ولم يُفَصِّلْه ههنا؛ اعتمادًا على ما سَبَقَ. قاله الوانيُّ، فليُحفَظ.

٥٧

وبعدَه، أي الدبغِ، يُباعُ، إلا جلدَ إنسانٍ، وخنزيرٍ، وحيةٍ.

٥٨

ويُنتفَعُ به؛ لطهارتِه حينئذٍ، لغيرِ الأكل، ولو جلدَ مأكولٍ، على الصحيح. سراج؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ﴾، وهذا جزؤها.

وفي المجمع: ونُجيزُ بيعَ الدُّهْنِ المتنجِّسِ، والانتفاعَ به في غيرِ الأكلِ، بخلاف الوَدَكَ.

٥٩

كما يُنتَفَعُ بما لا تَحُلُّه حياةٌ منها، كعَصَبِها، وصوفِها، كما مَرَّ في الطهارة.

٦٠

و فَسَدَ شراءُ ما باع بنفسِه، أو بوكيلِه من الذي اشتراه، ولو حُكمًا، كوارثِه، بالأقلِّ مِن قَدْرِ الثمنِ الأولِ، قبلَ نَقْدِ كلِّ الثمنِ الأول.

صورتُه: باع شيئًا بعشرةٍ، ولم يقبِضِ الثمنَ، ثم شراه بخمسةٍ: لم يجُزْ وإن رَخُصَ السعرُ؛ للربا؛ خلافًا للشافعي.

٦١

وشراءُ مَن لا تجوزُ شهادتُه له، كابنِه، وأبيه: كشرائه بنفسِه، فلا يجوزُ أيضًا، خلافًا لهما في غيرِ عبدِه، ومكاتَبِه.

٦٢

ولا بدَّ لعدمِ الجوازِ من اتحادِ جنسِ الثمنِ، وكونِ المبيعِ بحالِه.

٦٣

فإن اختَلَفَ جنسُ الثمنِ، أو تعيَّبَ المبيعُ: جاز مطلقًا، كما لو شراه بأزيدَ، أو بعدَ النقد.

٦٤

والدراهمُ، والدنانيرُ: جنسٌ واحدٌ في ثمانِ مسائلَ، منها: هنا، وفي قضاءِ دَيْنٍ، وشفعةٍ، وإكراهٍ، ومضاربةٍ ابتداءً، وانتهاءً، وبقاءً، وامتناعِ مرابحة.

ويُزادُ: زكاةٌ، وشركاتٌ، وقِيَمُ الـمُتلَفات، وأُروشُ جناياتٍ، كما بَسَطَه المصنِّفُ معزيًّا للعمادية.

وفي الخلاصة: كلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بعقدٍ يَنفسخُ بهلاكِه قبلَ قَبْضِه: لم يجُزِ التصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.

٦٥

وصحَّ البيعُ فيما ضُمَّ إليه، كأن باع بعشرةٍ، ولم يقبِضْها، ثم اشتراه مع شيءٍ آخَرَ بعشرةٍ: فَسَدَ في الأول، وجاز في الآخَرِ.

فيُقسَمُ الثمنُ على قيمتهما، ولا يَشيعُ الفسادُ؛ لأنه طارئٌ، ولمكانِ الاجتهاد.

٦٦

وبيعُ زيتٍ على أن يَزِنَه بظَرْفِه، ويَطْرَحَ عنه بكلِّ ظرفٍ كذا رِطْلًا؛ لأن مقتضى العقدِ: طَرْحُ مقدارِ وزنِه، كما أفادَه بقوله:

٦٧

بخلافِ شَرْطِ طَرْحِ وَزْنِ الظرفِ: فإنه يجوزُ، كما لو عُرِفَ قَدْرُ وزنِه.

٦٨

ولو اختلفنا في نفسِ الظرفِ، وقَدْرِه: فالقولُ للمشتري بيمينه؛ لأنه قابضٌ، أو مُنكِرٌ.

٦٩

وصحَّ بيعُ الطريقِ، وفي الشرنبلالية عن الخانية: لا يصح.

ومن قسمة الوهبانية:

ولـيـس لهـم قـــال الإمـامُ تــقـاسُــمٌبدَرْبٍ ولم يَنفُذْ كذا البيعُ يُذكَرُ

وفي مُعَاياتها، وارتضاه في ألغاز الأشباه:

ومــالـكُ أرضٍ ليسَ يَملِكُ بيعَهالـغـيـر شـريــكٍ ثم لو مــنــه يُـنـظَــرُ
٧٠

حُدَّ، أي بُيِّنَ له طولٌ وعَرْضٌ، أوْ لا.

وهِبَتُه، وإن يُبيَّن: يُقدَّرُ بعَرْضِ بابِ الدارِ العظمى.

٧١

لا بيعُ مَسِيلِ الماءِ، وهبتُه؛ لجهالتِه، إذْ لا يُدرى قَدْرُ ما يَشغَلُه من الماء.

٧٢

وصحَّ بيعُ حقِّ المرورِ تَبَعًا للأرض، بلا خلافٍ.

و مَقصودًا وحدَه، في روايةٍ، وبه أخَذَ عامةُ المشايخ. شمني، وفي أخرى: لا، وصحَّحَه أبو الليث.

٧٣

وكذا بيعُ الشِّرْبِ، وظاهرُ الروايةِ: فسادُه، إلا تَبَعًا. خانية، وشرح وهبانية، وسنحقِّقُه في إحياء الموات.

٧٤

لا يصحُّ بيعُ حَقِّ التسييل، وهبتُه، سواءً كان على الأرضِ؛ لجهالةِ مَحَلِّه، كما مَرَّ، أو على السطحِ؛ لأنه حقُّ التَّعَلِّي، وقد مَرَّ بطلانُه.

٧٥

ولا البيعُ بثمنٍ مؤجَّلٍ إلى النَّيْروزِ، هو: أولُ يومٍ من الربيعِ، تَحُلَّ فيه الشمسُ بُرْجَ الحَمَل، وهذا نيروزُ السلطان.

ونيروزُ المجوس: يومَ تَحُلَّ في الحوت، وعدَّه البِرْجَنْدِيُّ سبعةً، فإذا لم يُبيِّنا: فالعقدُ فاسدٌ. ابن كمال.

٧٦

والـمِهْرجانِ، هو: أولُ يومٍ من الخَريف، تَحُلُّ فيه الشمسُ بُرْجَ الميزان.

٧٧

وصومِ النصارى، وفِطْرِهم، وفِطْرِ اليهودِ، وصومِهِم، فاكتفى بذِكْرِ أحدِهما. سراج، إذا لم يَدْرِه المتعاقدان، النيروزَ، وما بعدَه، فلو عَرَفاه: جاز.

٧٨

بخلافِ فِطْرِ النصارى بعدَ ما شَرَعوا في صومِهم؛ للعِلْمِ به، وهو خمسونَ يومًا.

٧٩

و لا إلى قُدومِ الحاجِّ، والحَصَادِ للزرع، والدِّيَاسِ للحَبِّ، والقِطَافِ للعنب؛ لأنها تتقدَّمُ، وتتأخَّرُ.

٨٠

ولو باع مطلقًا عنها، أي عن هذه الآجالِ، ثم أجَّلَ الثمنَ الدَّيْنَ، أما تأجيلُ المبيعِ أو الثمنِ العينِ: فمُفسِدٌ ولو إلى معلومٍ. شمني.

٨١

إليها: صحَّ التأجيلُ، كما لو كَفَلَ إلى هذه الأوقاتِ؛ لأن الجهالةَ اليسيرةَ مُتَحَمَّلةٌ في الدَّيْنِ والكفالةِ، لا الفاحشةَ.

٨٢

أو أسقط المشتري الأجلَ في الصُّوَرِ المذكورةِ، قبلَ حُلُولِه، وقبلَ فَسْخِه، وقبلَ الافتراقِ، حتى لو تفرَّقا قبلَ الإسقاطِ: تأكَّدَ الفسادُ، ولا ينقلبُ جائزًا، اتفاقًا. ابن كمال، وابن ملك.

كجهالةٍ فاحشةٍ، كهبوبِ الريحِ، ومجيءِ مطرٍ، فلا ينقلبُ جائزًا وإن أبطل الأجلَ. عيني.

٨٣

أو أمَرَ المسلمُ ببيع خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو شرائهما، أي وكَّلَ المسلمُ ذميًا.

أو أَمَرَ الـمُحْرِمُ غيرَه، أي غيرَ الـمُحْرِمِ، ببيعِ صيدِه، يعني صحَّ ذلك عندَ الإمامِ، مع أشدِّ كراهةٍ، كما صحَّ ما مَرَّ؛ لأن العاقدَ يتصرَّفُ بأهليتِه، وانتقالُ الملكِ إلى الآمِرِ: أمرٌ حُكْميٌّ.

وقالا: لا يصح، وهو الأظهرُ. شرنبلالية عن البرهان.

٨٤

ولا بيعٌ بشَرْطٍ، عَطْفٌ على: إلى النيروز.

٨٥

يعني: الأصلُ الجامعُ في فسادِ العقدِ: بسببِ شَرْطٍ لا يَقتضِيه العقدُ، ولا يلائِمُه، وفيه نَفْعٌ لأحدِهما.

أو فيه نَفْعٌ لـمَبيعٍ، هو من أهلِ الاستحقاقِ للنفع، بأن يكونَ آدميًا.

فلو لم يكنْ، كشَرْطِ أنْ لا يَركبَ الدابةَ المبيعةَ: لم يكنْ مُفسِدًا، كما سيجيء.

٨٦

ولم يَجْرِ العُرْفُ به، ولم يَرِدِ الشرعُ بجوازِه.

أما لو جرى العُرفُ به، كبيع نَعْلٍ، مع شَرْطِ تشريكِه، أو وَرَدَ الشرعُ به، كخيارِ شَرْطٍ: فلا فسادَ.

٨٧

كشَرْطِ أن يَقطَعَه البائعُ، ويَخيطَه قَباءً، مثالٌ لِما لا يقتضيه العقدُ، وفيه نفعٌ للمشتري، أو يَستخدِمَه، مثالٌ لِما فيه نفعٌ للبائع.

٨٨

وإنما قال: شهرًا: لِما مَرَّ أنَّ الخيارَ إذا كان ثلاثةَ أيامٍ: جاز أن يُشترطَ فيه الاستخدامُ. درر.

٨٩

أو يُعتِقَه، فإن أعتَقَه: صحَّ إنْ بعدَ قَبْضِه، ولَزِمَ الثمنُ عندَه، وإلا: لا. شرح مجمع.

٩٠

أو يُدبِّرَه، أو يُكاتِبَه، أو يَستولِدَها، أوْ لا يُخرِجَ القِنَّ عن مِلْكِه، مثالٌ لِما فيه نَفْعٌ لـمَبيعٍ يَستحقُّه.

٩١

ثم فَرَّعَ على الأصلِ بقوله: فيصحُّ البيعُ بشَرْطٍ يقتضيه العقدُ، كشَرْطِ الـمِلكِ للمشتري، وشَرْطِ حَبْسِ المبيعِ لاستيفاءِ الثمن.

٩٢

أوْ لا يَقتضيه، ولا نَفْعَ فيه لأحدٍ، ولو أجنبيًا. ابن ملك.

فلو شَرَطَ أنْ يَسْكُنَها فلانٌ، أو أنْ يُقْرِضَه البائعُ أو المشتري كذا: فالأظهرُ الفسادُ. ذَكَرَه أخي زاده، وظاهرُ البحر ترجيحُ الصحة.

٩٣

كشَرْطِ أنْ لا يبيعَ، عبَّرَ ابنُ الكمال بــ: يَركَبَ، الدابةَ الـمَبيعةَ، فإنها ليست بأهلٍ للنفع.

٩٤

أوْ لا يقتضيه، لكن يُلائِمُه، كشَرْطِ رَهْنٍ معلومٍ، وكفيلٍ حاضرٍ. ابن ملك.

٩٥

أو جرى العُرْفُ به، كبيعِ نَعْلٍ، أي صَرْمٍ، سمَّاه باسم ما يؤول. عيني، على أنْ يَحذُوَه البائع، ويُشَرِّكَه، أي يضعَ عليه الشراكَ، وهو السَّيْرُ، ومثلُه: تسميرُ القَبْقابِ؛ استحسانًا؛ للتعاملِ، بلا نَكيرٍ.

هذا إذا علَّقَه بكلمة: على، وإنْ بكلمةِ: إن: بَطَلَ البيعُ، إلا في بعتُ إنْ رضِيَ فلانٌ، ووقَّتَه، كخيارِ الشرط. أشباه، مِن: الشرط والتعليق، وبحر، مِن: مسائل شتى.

٩٦

وإذا قَبَضَ المشتري المبيعَ برضا، عبَّرَ ابنُ الكمالِ: بـ: إذْنِ، بائعِه، صريحًا، أو دلالةً، بأن قَبَضَه في مجلسِ العقدِ بحَضْرته، في البيعِ الفاسدِ، وبه خَرَجَ: الباطلُ، وتقدَّمَ، مع حُكْمِه.

وحينئذٍ، فلا حاجةَ لقولِ الهداية، والعناية: وكلٌّ من عِوَضَيْه مالٌ، كما أفاده ابنُ الكمال، لكن أجاب سعدي: بأنه لَمَّا كان الفاسدُ يَعُمُّ الباطِلَ مجازًا، كما مَرَّ: حَقَّقَ إخراجَه بذلك، فَتَنَبَّه.

٩٧

ولم يَنْهَه البائعُ عنه، ولم يكنْ فيه خيارُ شَرْطٍ: مَلَكَه، إلا في ثلاثٍ: في بيعِ الهازِلِ، وفي شراءِ الأبِ من مالِه لطفلِه، أو بيعِه له كذلك فاسدًا: لا يَملِكُه حتى يستعملَه.

والـمَقبوضُ في يدِ المشتري أمانةٌ: لا يَملِكُه به.

وإذا مَلَكَه: تثبتُ كلُّ أحكامِ الملكِ، إلا خمسةً: لا يَحِلُّ له أَكْلُه، ولا لُبْسُه، ولا وطؤُها، ولا أنْ يتزوَّجَها منه البائعُ، ولا شفعةَ لجارِه لو عقارًا. أشباه.

وفي الجوهرة، وشرح المجمع: ولا شفعةَ بها، فَهي سادسةٌ.

٩٨

بمثله إن مثليًا، وإلا: فبقِيمتِه، يعني إنْ بعدَ هلاكِه، أو تَعَذُّرِ ردِّه، يومَ قَبَضَه؛ لأنَّ به يَدخلُ في ضَمانِه، فلا تُعتَبَرُ زيادةُ قيمتِه، كالمغصوب.

٩٩

والقولُ فيها: للمشتري؛ لإنكاره الزيادةَ.

١٠٠

و يجبُ على كلِّ واحدٍ منهما فَسْخُه قبلَ القبضِ، ويكونُ امتناعًا عنه. ابن ملك، أو بعدَه، ما دام المبيعُ بحالِه. جوهرة.

١٠١

في يدِ المشتري؛ إعدامًا للفساد؛ لأنه معصيةٌ، فيجبُ رَفْعُها. بحر.

١٠٢

و لذا لا يُشترَطُ فيه قضاءُ قاضٍ؛ لأنَّ الواجبَ شرعًا لا يَحتاجُ للقضاء. درر.

١٠٣

وإذا أصرَّ أحدُهما على إمساكِه، وعَلِمَ به القاضي: فله فَسْخُه، جَبْرًا عليهما؛ حَقًّا للشرع. بزازية.

١٠٤

وكلُّ مبيعٍ فاسدٍ رَدَّه المشتري على بائعِه بهبةٍ، أو صدقةٍ، أو بيعٍ، أو بوجهٍ من الوجوه، كإعارةٍ، وإجارةٍ، وغصبٍ، ووَقَعَ في يدِ بائعِه: فهو مُتارَكةٌ للبيع، وبَرِئَ المشتري من ضمانِه. قنية.

والأصلُ: أنَّ المستَحَقَّ بجهةٍ إذا وَصَلَ إلى المستَحِقِّ بجهةٍ أخرى: اعتُبِرَ واصِلًا بجهةٍ مستَحَقَّةٍ إن وَصَلَ إليه من المستَحَقِّ عليه، وإلا: فلا، وتمامُه في جامع الفصولين.

١٠٥

فإن باعه، أي باع المشتري المشترَى فاسدًا، بيعًا صحيحًا باتًّا، فلو فاسدًا، أو بخيارٍ: لم يَمتَنعِ الفسخُ، لغيرِ بائعِه، فلو منه: كان نَقْضًا للأول، كما عَلِمْتَ.

١٠٦

وفسادُه: بغيرِ الإكراه، فلو به: تُنقَضُ كلَّ تصرفاتِ المشتري.

١٠٧

أو وَهَبَه، وسَلَّمَ، أو أعتَقَه، أو كاتَبَه، أو استولَدَها، ولو لم تحبَلْ: ردَّها مع عُقْرِها، اتفاقًا. سراج.

١٠٨

بعدَ قَبْضِه، فلو قَبَلَه: لم يَعتِقْ بعِتْقِه، بل بعِتْقِ البائعِ بأمره.

وكذا لو أَمَرَه بطحنِ الحنطةِ، أو ذَبْحِ الشاةِ، فيصيرُ المشتري قابضًا اقتضاءً، فقد مَلَكَ المأمورُ ما لا يَملِكُه الآمِر.

وما في الخانية على خلافِ هذا: إما روايةٌ، أو غَلَطٌ من الكاتِبِ، كما بَسَطَه العمادي.

١٠٩

أو وَقَفَه وَقْفًا صحيحًا؛ لأنه استهلَكَه حينَ وَقَفَه، وأخرَجَه عن مِلْكِه.

وما في جامع الفصولين على خلافِ هذا: غيرُ صحيحٍ، كما بَسَطَه المصنِّفُ.

١١٠

أو رَهَنَه، أو أوصى، أو تصدَّقَ به: نَفَذَ البيعُ الفاسدُ في جميعِ ما مَرَّ، وامتَنَعَ الفسخُ؛ لتعلُّقِ حَقِّ العبدِ به، إلا في أربعٍ مذكورةٍ في الأشباه.

وكذا كلُّ تصرُّفٍ قوليٍّ، غيرِ إجارةٍ، ونكاحٍ.

وهل يبطلُ نكاحُ الأمةِ بالفسخ؟ المختارُ: نعم. ولوالجية.

ومتى زال المانعُ، كرجوعِ هبةٍ، وعَجْزِ مكاتَبٍ، وفَكِّ رهنٍ: عاد حقُّ الفسخِ لو قبلَ القضاءِ بالقيمة، لا بعدَه.

١١١

ولا يبطلُ حقُّ الفسخِ بموتِ أحدِهما، فيَخلُفُه الوارثُ. به يُفتى.

١١٢

و بعدَ الفسخ: لا يأخذُه بائعُه حتى يَرُدَّ ثمنَه المنقودَ.

بخلافِ ما لو شَرَى من مديونِه بدَيْنِه شراءً فاسدًا: فليس للمشتري حَبْسُه لاستيفاءِ دينِه، كإجارةٍ، ورهنٍ، وعقدٍ صحيح، والفرقُ في الكافي.

١١٣

فإن مات أحدُهما، أو الـمُؤْجِرُ، أو المستقرِضُ، أو الراهنُ فاسدًا. عيني، وزيلعي، بعدَ الفسخ: فالمشتري، ونحوُه أحقُّ به من سائرِ الغرماءِ، بل قبلَ تجهيزِه، فله حقُّ حَبْسِه حتى يأخذَ مالَه.

١١٤

فيأخذُ المشتري دراهمَ الثمنِ بعينِها: لو قائمةً، ومثلَها: لو هالكةً؛ بناءً على تعيُّنِ الدراهمِ في البيعِ الفاسدِ، وهو الأصح.

١١٥

وإنما طاب للبائع ما رَبِــحَ في الثمنِ، لا على الروايةِ الصحيحةِ المقابِلةِ للأصح، بل على الأصح أيضًا؛ لأن الثمنَ في العقدِ الثاني غيرُ متعيِّنٍ، ولا يَضُرُّ تعيينُه في الأول، كما أفاده سعدي.

١١٦

لا يطيبُ للمشتري ما رَبِحَ في مبيعٍ يتعيَّنُ بالتعيينِ، بأن باعه بأزيدَ؛ لتعلَّقِ العقدِ بعينِه، فتمكَّنَ الـخُبْثُ في الربحِ، فيتصدَّقُ به.

١١٧

كما طاب ربحُ مالٍ ادَّعاه على آخَرَ، فصدَّقَه على ذلك، فقُضِيَ له، أي أوفاه إياه، ثم ظَهَرَ عدمُه بتصادُقِهما، أنه لم يكنْ عليه شيءٌ؛ لأن بدلَ المستَحَقِّ: مملوكٌ ملكًا فاسدًا، والـخُبْثُ لفسادِ الملكِ إنما يَعملُ فيما يتعيَّنُ، لا فيما لا يَتعيَّن.

وأما الـخُبْثُ لعدمِ الملكِ، كالغصب: فيَعملُ فيهما، كما بَسَطَه خسرو، وابنُ الكمال.

وقال الكمالُ: لو تعمَّدَ الكذبَ في دعواه الدينَ: لا يَملِكُه أصلًا، وقوَّاه في النهر.

وفيه: الحرامُ يَنتقلُ، فلو دَخَلَ بأمانٍ، وأخَذَ مالَ حربيٍّ بلا رضاه، وأخرَجَه إلينا: مَلَكَه، وصحَّ بيعُه، لكن لا يطيبُ له، ولا للمشتري منه.

بخلافِ البيعِ الفاسدِ، فإنه لا يطيبُ له؛ لفسادِ عقدِه، ويطيبُ للمشتري منه؛ لصحة عقدِه.

وفي حَظْرِ الأشباه: الـحُرْمَةُ تتعدَّدُ مع العلمِ بها، إلا في حَقِّ الوارث، وقيَّده في الظهيرية بأنْ لا يَعلمَ أربابَ الأموال، وسنحقِّقُه ثمَّةَ.

١١٨

بنى أو غَرَسَ فيما اشتراه فاسدًا، شروعٌ فيما يَقطعُ حَقَّ الاستردادِ من الأفعالِ الحسيةِ بعدَ الفراغِ من القولية: لَزِمَه قيمتُهما، وامتنع الفسخُ.

وقالا: يَنقُضُهما، ويَرُدُّ الـمَبيعَ، ورجَّحَه الكمالُ، وتعقَّبَه في النهر؛ لحصولِهما بتسليطِ البائع.

وكذا كلَّ زيادةٍ متصلةٍ غيرِ متولِّدةٍ، كصَبْغٍ، وخياطةٍ، وطحنِ حنطةٍ، ولَتِّ سَويقٍ، وغَزْلِ قُطْنٍ، وجاريةٍ عَلِقَتْ منه.

فلو مُنفصِلةً، كولدٍ، أو متولِّدةً، كسِمَنٍ: فله الفسخُ، ويَضْمَنُها باستهلاكِها، سوى منفصِلةٍ، غيرِ متولِّدةٍ. جوهرة.

وفي جامع الفصولين: لو نَقَصَ في يدِ المشتري بفعلِ المشتري، أو المبيعِ، أو بآفةٍ سماويةٍ: أَخَذَه البائعُ، مع الأَرْشِ.

ولو بفعلِ البائعِ: صار مُسترِدًّا، ولو بفعلِ أجنبيٍّ: خُيِّرَ البائعُ.

البيع المكروه:
١١٩

وكره تحريمًا، مع الصحةِ، البيعُ عندَ الأذانِ الأولِ، إلا إذا تبايعا يمشيان: فلا بأسَ به؛ لتعليلِ النهيِ بالإخلالِ بالسعي، فإذا انتفى: انتفى.

وقد خُصَّ منه: مَن لا جمعةَ عليه، ذَكَرَه المصنِّفُ.

١٢٠

و كُرِه النَّجَْشُ بفتحتين، ويُسكَّنُ: أن يزيدَ، ولا يُريدُ الشراءَ، أو يَمدَحَه بما ليس فيه؛ ليُرَوِّجه، ويجري في النكاح، وغيرِه.

١٢١

ثم النهيُ محمولٌ على ما إذا كانتِ السلعةُ بلَغَتْ قيمتَها، أما إذا لم تبلُغْ: لا يُكرَه؛ لانتفاءِ الخِدَاع. عناية.

١٢٢

والسَّوْمُ على سَوْمِ غيرِه، ولو ذميًا، أو مستأمِنًا.

وذِكْرُ: الأخ: في الحديثِ: ليس قَيْدًا، بل لزيادةِ التنفيرِ. نهر.

١٢٣

وهذا بعدَ الاتفاقِ على مبلغِ الثمنِ، أو المهرِ، وإلا: لا يُكره؛ لأنه بيعُ مَن يزيدُ.

وقد باع عليه الصلاة والسلام قَدَحًا وحِلْسًا ببيع مَن يزيد.

١٢٤

وتَلَقِّي الجَلَبِ، بمعنى: الـمَجلوبِ، أو الجالِبِ.

١٢٥

وهذا إذا كان يَضُرُّ بأهلِ البلدِ، أو يُلَبِّسُ السعرَ على الوارِدِين؛ لعدم عِلْمِهم به، فيُكره للضرر، والغَرَر، أما إذا انتفيا: فلا يكره.

١٢٦

و كُره بيعُ الحاضِرِ للبادي، وهذا في حالةِ قَحْطٍ، وعَوَزٍ، وإلا: لا؛ لانعدام الضرر.

قيل: الحاضرُ: المالكُ، والبادي: المشتري.

والأصحُّ، كما في المجتبى: أنهما السِّمْسارُ، والبائعُ؛ لموافقتِه آخِرَ الحديث: دَعُوا الناسَ يَرزقُ بعضُهم بعضًا، ولذا عُدِّيَ باللام، لا بــ: مِن.

١٢٧

لا يكره بيعُ مَن يزيدُ؛ لِما مَرَّ، ويُسمى بيعَ الدلالة.

١٢٨

ولا يُفرَّقُ، عبَّر بالنفي: مبالغةً في الـمَنْع؛ لِلَعْنِه عليه الصلاة والسلام مَن فرَّقَ بين والدٍ وولدِه، وأخٍ وأخيه، رواه ابنُ ماجه، وغيرُه. عيني.

وعن الثاني: فسادُه مطلقًا، وبه قال زفرُ، والأئمةُ الثلاثةُ.

١٢٩

بين صغيرٍ، غيرِ بالغٍ، وذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه، أي مَحْرَمٍ من جهةِ الرَّحِمِ، لا الرضاعِ، كابنِ عمٍّ هو أخٌ رضاعًا، فافهم.

١٣٠

إلا إذا كان التفريقُ بإعتاقٍ، وتوابعِه، ولو على مال، أو ببيعٍ ممن حَلَفَ بعِتْقِه، أو كان المالكُ كافرًا؛ لعدم مخاطبتِه بالشرائع.

أو متعدِّدًا، ولو الآخَرُ لطفلِه، أو مكاتبه: فلا بأسَ به.

١٣١

أو تعدَّدَ مَحارِمُه: فله بيعُ ما سوى واحدٍ، غيرَ الأقربِ، والأبوين، والملحَقِ بهما. فتح، أو بحَقِّ مُستَحِقٍّ، كخروجِه مستَحَقًّا.

١٣٢

وكدَفْعِ أحدِهما بالجنايةِ، وبيعِه بالدينِ، أو بإتلافِ مالِ الغير.

١٣٣

وردِّه بعيبٍ؛ لأنَّ النظرَ: في دَفْعِ الضررِ عن الغير، لا في الضرر بالغير.

١٣٤

بخلافِ الكبيرَيْن، والزوجَيْن: فلا بأسَ به، خلافًا لأحمد، فالمستثنى أحدَ عشرَ.

١٣٥

وكما يُكره التفريقُ ببيعٍ، وغيرِه من أسبابِ الملكِ، كصدقةٍ، ووصيةٍ: يُكره بشراءٍ، إلا من حربيٍّ. ابن ملك.

١٣٦

وبقسمةٍ في الميراثِ، والغنائمِ. جوهرة.

واعلَمْ أنَّ فَسْخَ المكروهِ: واجبٌ على كلِّ واحدٍ منهما أيضًا. بحر، وغيره؛ لرَفْعِ الإثم. مجمع.

وفيه: ونُصَحِّحُ شراءَ كافرٍ مسلمًا، أو مُصحَفًا، مع الإجبارِ على إخراجِهما عن مِلْكِه، وسيجيءُ في المتفرِّقات، والله أعلم.

فصلٌ في الفُضُولِيِّ

مناسبتُه: ظاهرةٌ، وذَكَرَه في الكنز بعدَ الاستحقاق؛ لأنه من صُوَرِه.

١

هو: مَن يَشتَغِلُ بما لا يَعنِيه، فالقائلُ لـمَن يأمرُ بالمعروف: أنتَ فضوليٌّ: يُخشى عليه الكفرُ. فتح.

٢

واصطلاحًا: مَن يتصرَّفُ في حَقِّ غيرِه، بمنزلةِ: الجنس، بغير إذنٍ شرعيٍّ، فصلٌ: خَرَجَ به نحوُ وكيلٍ، ووصيٍّ.

٣

كلُّ تصرُّفٍ صَدَرَ منه تمليكًا كان، كبيعٍ وتزويجٍ، أو إسقاطًا، كطلاقٍ، وإعتاقٍ، وله مُجيزٌ، أي لهذا التصرُّفِ مَن يَقدِرُ على إجازتِه، حالَ وقوعِه: انعقَدَ موقوفًا، وما لا مُجيزَ له حالةَ العقدِ: لا ينقعدُ أصلًا.

بيانُه: صبيٌّ باع مَثلًا، ثم بَلَغَ قبلَ إجازةِ وليِّه، فأجازه بنفسِه: جاز؛ لأن له وليًا يُجيزُه حالةَ العقد.

بخلافِ ما لو طَلَّقَ مثلًا، ثم بَلَغَ، فأجازه بنفسِه: لم يَجُزْ؛ لأنه وقتَ العقدِ: لا مُجيزَ له، فيَبطلُ، ما لم يقُلْ: أوقعتُه، فيصحُّ إنشاءً، لا إجازةً، كما بَسَطَه العِمَاديُّ.

٤

وُقِفَ بيعُ مالِ الغيرِ لو الغيرُ بالغًا عاقلًا، فلو صغيرًا، أو مجنونًا: لم يَنعقدْ أصلًا، كما في الزواهر، معزيًّا للحاوي.

٥

وهذا إن باعه على أنه لمالِكِه.

أما لو باعه على أنه لنفسِه، أو باعه من نفسِه، أو شَرَطَ الخيارَ فيه لمالِكِه المكلَّفِ، أو باع عَرْضًا من غاصبِ عَرْضٍ آخَرَ للمالكِ به: فالبيعُ باطلٌ.

قَيَّدَ بالبيع: لأنه لو اشترى لغيرِه: نَفَذَ عليه، إلا إذا كان المشتري صبيًا، أو محجورًا عليه: فيَتوقَّفُ.

هذا إذا لم يُضِفْه الفضوليُّ إلى غيرِه، فلو أضافَه، بأن قال: بِعْ هذا العبدَ لفلانٍ، فقال البائعُ: بعتُه لفلانٍ: توقَّفَ. بزازية، وغيرها.

٦

قيَّد ببَيْعِه لمالِكِه: لأنَّ بيعَه لنفسِه: باطلٌ، كما في البحر، والأشباه عن البدائع، كأنه لأنه غاصبٌ.

وكذا من نفسِه؛ لأن الواحدَ لا يَتولَّى طَرَفَيِ البيع إلا الأبَ، كما مَرَّ.

وعبارةُ الأشباه: وبيعِ الفضوليِّ موقوفٌ إلا في ثلاثٍ: فباطلٌ: إذا باع لنفسِه. بدائع، وإذا شَرَطَ الخيارَ فيه للمالك. تلقيح.

وإذا باع عَرْضًا من غاصبِ عَرْضِ آخَرَ للمالك به. فتح.

لكنْ ضَعَّفَ الـمُصنِّفُ الأُولى؛ لمخالفتها لفروع المذهب؛ لتصريحهم بأن بيعَ الغاصب موقوفٌ.

وبأن الـمَبيعَ إذا استُحِقَّ: فللـمُستَحِقِّ إجازتُه، على الظاهر، مع أنَّ البائع باع لنفسِه، لا للمالك الذي هو الـمُستَحِقُّ، مع أنه توقَّفَ على الإجازة.

وأما الثانيةُ: ففي النهر: وينبغي إلغاءُ الشرطِ فقط.

قلتُ: وحاصلُه كما قاله شيخُنا: أنَّ بيعَه موقوفٌ ولو لنفسِه، على الصحيح. اهـ

لكن في حاشية الأشباه، لابن المصنِّف: وزِدْتُ مسألتين من الحاوي: وهما بيعُ الفضوليِّ مالَ صغيرٍ، ومجنونٍ: لا ينعقِدُ أصلًا.

و وُقِفَ بيعُ العبدِ، والصبيِّ المحجورَيْن: على إجازةِ المولى، والوليِّ، وكذا الـمَعتوهُ.

وفي العمادية، وغيرِها: لا تنعقدُ أقاريرُ العبدِ، ولا عقودُه، وسنحقِّقُه في الحَجْر.

ووُقِفَ بيعُ مالِه من فاسدِ عقلٍ، غيرِ رشيدٍ: على إجازةِ القاضي.

ووُقِفَ بيعُ المرهونِ، والمستأجَرِ، والأرضِ في مزارعةِ الغيرِ: على إجازةِ مرتَهِنٍ، ومستأجِرٍ، ومزارِعٍ.

ج

بيعُ الشيء برَقْمِه:
٧

ووُقِفَ بيعُ شيءٍ برَقْمِه، أي بالـمَكتوبِ عليه: فإن عَلِمَه المشتري في مجلسِ البيعِ: نَفَذَ، وإلا: بَطَلَ.

قلتُ: وفي مرابحة البحر: أنه فاسدٌ، له عَرَضيَّةُ الصحةِ، لا بالعكس، هو الصحيحُ.

وعليه: فَتَحرُمُ مباشرتُه، وعلى الضعيفِ: لا.

وتَرَكَ المصنِّفُ قولَ الدرر: وبيعُ المبيعِ من غيرِ مُشْتَريه: لدخولِه في بيعِ مالِ الغير.

٨

وبيعُ المرتدِّ.

والبيعُ بما باع فلانٌ، والبائعُ يَعلَمُ، والمشتري لا يَعلَمُ.

والبيعُ بمِثْلِ ما يَبيعُ الناسُ به، أو بمِثلِ ما أخَذَ به فلانٌ: فإن عَلِمَ في المجلسِ: صحَّ، وإلا: بَطَلَ.

٩

وبيعُ الشيءِ بقيمتِه: فإن بُيِّنَ في المجلسِ: صحَّ، وإلا: بَطَلَ. واني. وبيعٌ فيه خيارُ المجلسِ، كما مَرَّ.

١٠

ووُقِفَ بيعُ الغاصبِ: على إجازةِ المالك، يعني إذا باعه لمالكِه، لا لنفسِه، على ما مرَّ عن البدائع.

ووُقِفَ أيضًا بيعُ المالكِ المغصوبَ: على البينة، أو إقرارِ الغاصب.

وبيعُ ما في تسليمِه ضررٌ: على تسليمِه في المجلس.

وبيعُ المريضِ لوارثِه: على إجازةِ الباقي.

وبيعُ الورثةِ التركةَ المستغرِقَةَ: على إجازةِ الغرماء.

وبيعُ أحدُ الوكيلَيْن، أو الوصيَّيْن، أو الناظرَيْن إذا باع بحضرةِ الآخَرِ: توقَّفَ على إجازتِه، أو بغَيْبَتِه: فباطلٌ.

وأوصَلَه في النهر إلى نيِّفٍ وثلاثين.

١١

وحكمُه، أي بيعِ الفضوليِّ لو له مُجيزٌ حالَ وقوعِه، كما مَرَّ: قَبولُ الإجازةِ من المالكِ، إذا كان البائعُ، والمشتري، والـمَبيعُ قائمًا، بأن لا يتغيَّرَ الـمَبيعُ، بحيث يُعَدُّ شيئًا آخَرَ؛ لأن إجازتَه كالبيع حكمًا.

١٢

وكذا يُشترطُ قيامُ الثمنِ أيضًا، لو كان عَرْضًا معيَّنًا؛ لأنه مبيعٌ من وجهٍ، فيكونُ مِلكًا للفضولي، وعليه مثلُ الـمَبيعِ لو مثليًا، وإلا: فقيمتُه.

وغيرُ العَرْضِ: مِلكٌ للـمُجيزِ، أمانةٌ في يدِ الفضوليِّ. ملتقى.

١٣

وكذا يُشترطُ قيامُ صاحبِ المتاعِ أيضًا، فلا تجوزُ إجازةِ وارثِه؛ لبطلانِه بموته.

١٤

وحُكْمُه أيضًا: أَخْذُ المالكِ الثمنَ، أو طَلَبُه من المشتري، ويكونُ إجازةً. عمادية.

وهل للمشتري الرجوعُ على الفضوليِّ بمِثلِه لو هَلَكَ في يدِه قبلَ الإجازة؟

الأصحُّ: نعم إن لم يُعلَم أنه فضوليٌّ وقتَ الأداءِ، لا إن عُلِمَ. قنية، واعتمَدَه ابنُ الشِّحْنَةِ، وأقرَّه المصنِّفُ، وجَزَمَ الزيلعيُّ، وابنُ مَلَكٍ بأنه أمانةٌ مطلقًا.

١٥

وقولُه: أسأتَ. نهر، نِعْمَ ما صَنَعْتَ، أو: أحسنتَ، أو: أصَبْتَ، على المختار. فتح.

١٦

وهبةُ الثمنِ من المشتري، والتصدُّقُ عليه به: إجازةٌ لو المبيعُ قائمًا. عمادية.

١٧

وقولُه: لا أُجيزُ: ردٌّ له، أي للبيعِ الموقوف.

فلو أجازه بعدَه: لم يَجُزْ؛ لأن الـمَفسوخَ: لا يُجازُ.

بخلافِ المستأجِرِ لو قال: لا أُجيزُ بيعَ الآجِرِ، ثم أجاز: جاز.

وأفاد كلامُه جوازَ الإجازةِ بالفعلِ، وبالقول، وأنَّ للمالك الإجازةَ، والفسخَ، وللمشتري الفسخَ، لا الإجازةَ.

وكذا للفضوليِّ قبلَها في البيع، لا النكاح؛ لأنه معبِّرٌ مَحْضٌ. بزازية.

وفي الـمَجمع: لو أجاز أحدُ المالِكَيْن: خُيِّرَ المشتري في حصتِه.

وألزمه محمدٌ بها.

١٨

سَمِعَ أنَّ فضوليًا باع مِلْكَه، فأجاز، ولم يَعلَمْ مقدارَ الثمنِ، فلَمَّا عَلِمَ: ردَّ البيعَ، فالمعتبرُ إجازتُه؛ لصيرورتِه بالإجازةِ كالوكيل، حتى يصحُّ حطُّه من الثمنِ مطلقًا. بزازية.

١٩

اشترى من غاصبٍ عبدًا، فأعتَقَه المشتري، أو باعه، فأجاز المالِكُ بيعَ الغاصبِ، أو أدَّى الغاصبُ الضمانَ إلى المالكِ، على الأصح. هداية، أو أدَّى المشتري الضمانَ إليه، على الصحيح. زيلعي: نَفَذَ الأولُ، وهو العتقُ، لا الثاني، وهو البيعُ؛ لأن الإعتقاقَ إنما يَفتقِرُ للملكِ وقتَ نفاذِه، لا وقتَ ثبوتِه.

قَيَّدَ بــ: عِتْقِ المشتري: لأن عِتْقَ الغاصبِ لا يَنفُذُ بأداءِ الضمان؛ لثبوتِ ملكِه به. زيلعي.

٢٠

ولو قُطِعَتْ يدُه مثلًا عندَ مُشْتَرِيه، فأُجِيزَ البيعُ: فأَرْشُه، أي القطعِ: له.

٢١

وكذا كلَّ ما يَحدُثُ من الـمَبيع، كالكَسْبِ، والولدِ، والعُقْرِ، ولو قبلَ الإجازةِ: يكونُ للمشتري؛ لأن الملكَ تَمَّ له من وقت الشراء، بخلافِ الغاصبِ؛ لِما مَرَّ.

٢٢

وتصدَّقَ بما زاد على نصفِ الثمنِ وجوبًا؛ لعدمِ دخولِه في ضمانِه. فتح.

٢٣

باع عبدَ غيرِه بغيرِ أمْرِه، قيدٌ اتفاقيٌّ، فبَرْهَنَ المشتري مثلًا على إقرارِ البائع الفضوليِّ، أو على إقرارِ ربِّ العبدِ أنه لم يأمُرْه بالبيع للعبد، وأراد المشتري ردَّ الـمَبيع: رُدَّتْ بيِّنتُه، ولم يُقبَلْ قولُه؛ للتناقض.

٢٤

كما لو أقام البائعُ البيِّنةَ أنه باع بلا أَمْرٍ، أو برهَنَ على إقرارِ المشتري بذلك.

وأصلُه: أنَّ مَن سعى في نَقْضِ ما تَمَّ من جهتِه: لا يُقبَلُ إلا في مسألتين.

٢٥

وإن أقرَّ البائعُ المذكورُ ولو عندَ غيرِ القاضي. بحر، بأنَّ ربَّ العبدِ لم يأمُرْه بالبيع، ووافَقَه عليه، أي على عدمِ الأمرِ، المشتري: انتَقَضَ البيعُ؛ لأن التناقضَ لا يَمنعُ صحةَ الإقرارِ؛ لعدم التهمةِ.

٢٦

فإن توافَقَا: بَطَلَ في حقِّهما، لا في حَقِّ المالكِ للعبدِ إن كذَّبَهما، وادّعى أنه كان بأَمْرِه، فيُطالِبُ البائعَ بالثمن؛ لأنه وكيلٌ، لا المشتري، خلافًا للثاني.

٢٧

باع دارَ غيرِه بغيرِ أمْره، وأقبضَها المشتريَ. نهر، وأما إدخالُها في بناءِ المشتري: فقَيْدٌ اتفاقيٌّ. درر.

٢٨

ثم اعترف البائعُ الفضوليُّ بالغصب، وأنكَرَ المشتري: لم يَضمَنِ البائعُ قيمةَ الدارِ؛ لعدمِ سِرايةِ إقرارِه على المشتري.

٢٩

فإن برهَن المالكُ: أخَذَها؛ لأنه نوَّرَ دعواه بها.

فروعٌ:

باعه فضوليٌّ، وآجَرَه آخَرُ، أو زوَّجَه، أو رَهَنَه، فأُجِيزا معًا: ثبت الأقوى، فتصيرُ مملوكةً، لا زوجةً. فتح.

سكوتُ المالكِ عندَ العقدِ: ليس بإجازةٍ. خانية، من آخِرِ فصلِ الإقالة.

باب الإقالة
١

هي لغةً: الرفعُ، مِن: أقال: أَجْوَفُ، يائيٌّ.

٢

وشرعًا: رَفْعُ البيعِ، وعمَّمَ في الجوهرة، فعبَّر بــ: العقد.

٣

وتصحُّ بلفظَيْن ماضيَيْن وهذا رُكْنُها، أو أحدُهما مستقبَلٌ، كـــ: أَقِلْني، فقال: أقلتُكَ؛ لعدم المساوَمَةِ فيها، فكانت كالنكاح.

وقال محمدٌ: كالبيع، قال البِرْجَنْدِيُّ: وهو المختارُ.

٤

و تصحُّ أيضًا بـــ: فاسَخْتُكَ، وتَرَكْتُ، وتارَكْتُكَ، ورَفَعْتُ، وبالتعاطي، ولو من أحدِ الجانبَيْن، كالبيع، هو الصحيحُ. بزازية.

وفي السراجية: لا بدَّ من التسليمِ والقبضِ من الجانبين.

٥

وتتوقَّفُ على قبولِ الآخَرِ في المجلسِ، ولو كان القبولُ فعلًا، كما لو قَطَعَه، أو قَبَضَه فورَ قولِ المشتري: أقَلْتُكَ؛ لأن مِن شرائطِها:

اتحادَ المجلسِ.

ورضا المتعاقدَيْن، أو الورثةِ، أو الوصيِّ.

وبقاءَ الـمَحَلِّ القابِلِ للفسخ بخيارٍ، فلو زاد زيادةً تمنعُ الفسخَ: لم تصحَّ، خلافًا لهما.

وقَبْضَ بدَلَيِ الصرفِ في إقالتِه.

وأن لا يَهَبَ البائعُ الثمنَ للمشتري قبلَ قَبْضِه.

وأن لا يكونَ البيعُ بأكثرَ من القيمةِ في بيعِ مأذونٍ، ووصيٍّ، ومُتَوَلٍّ.

٦

وتصحُّ إقالةُ المتولِّي إن خيرًا للوقف، وإلا: لا.

الأصلُ: أنَّ مَن مَلَكَ البيعَ: مَلَكَ إقالتَه، إلا في خمسٍ: الثلاثةِ المذكورةِ، والوكيلِ بالشراءِ، قيل: وبالسَّلَمِ. أشباه.

ولا إقالةَ في نكاحٍ وطلاقٍ وعَتاقٍ. جوهرة، وإبراءِ. بحر، من باب التحالف.

٧

وهي مندوبةٌ؛ للحديث.

وتجبُ في عقدٍ مكروهٍ، وفاسدٍ. بحر، وفيما إذا غَرَّه البائعُ يسيرًا. نهر، بحثًا، فلو فاحشًا: فله الردُّ، كما سيجيء.

٨

وحُكْمُها: أنها فَسْخٌ في حَقِّ المتعاقدَيْن فيما هو من موجَبَاتِ: بفتح الجيم، أي أحكامِ العقدِ.

أما لو وَجَبَ بشرطٍ زائدٍ: كانت بيعًا جديدًا في حقِّهما أيضًا، كأنْ شرى بدَيْنِه المؤجَّلِ عينًا، ثم تقايلا: لم يَعُدِ الأجلُ، فيصير دينُه حالًّا، كأنه باعه منه، ولو ردَّه بخيارٍ بقضاءٍ: عاد الأجلُ؛ لأنه فَسْخٌ.

ولو كان به كفيلٌ: لم تَعُدِ الكفالةُ فيهما. خانية.

ثم ذَكَرَ لكونها فَسْخًا فروعًا:

٩

فـــالأولُ: أنها تَبطُلُ بعدَ ولادةِ الـمَبيعةِ؛ لتعذُّرِ الفسخِ بالزيادةِ المنفصلةِ بعدَ القبض؛ حقًّا للشرع، لا قبلَه مطلقًا. ابن ملك.

١٠

والثاني: تصحُّ بمِثْلِ الثمنِ الأولِ، وبالسكوتِ عنه، ويُرَدُّ مثلُ المشروطِ ولو المقبوضُ أجودَ، أو أردأ.

ولو تقايلا، وقد كَسَدَتْ: رُدَّ الكاسدُ.

وإلا إذا باع المتولِّي، أو الوصيُّ للوقف، أو للصغير شيئًا بأكثرَ من قيمتِه، أو اشتريا شيئًا بأقلَّ منها للوقف، أو للصغير: لم تَجُزْ إقالتُه، ولو بمثلِ الثمنِ الأولِ، وكذا المأذونُ، كما مَرَّ.

وإن: وصليةٌ، شَرَطَ غيرَ جنسِه، أو أكثرَ منه، أو أجَّلَه.

وكذا في الأقلِّ، إلا مع تعيُّبِه، فتكونُ فسخًا بالأقلِّ لو بقَدْرِ العيبِ، لا أزيدَ، ولا أنقصَ، قيل: إلا بقَدْرِ ما يَتغابَنُ الناسُ فيه.

١١

والثالثُ: لا تفسُدُ بالشرطِ الفاسدِ، وإن لم يصحَّ تعليقُها به، كما سيجيء.

١٢

والرابعُ: جاز للبائع بيعُ الـمَبيع منه ثانيًا بعدَها قبلَ قَبْضِه، ولو كان بيعًا في حقِّهما: لبَطَلَ، كبيعِه من غيرِ المشتري. عيني.

١٣

والخامسُ: جاز قَبْضُ المكيلِ والموزونِ منه بعدَها بلا إعادةِ كيلِه، ووَزْنِه.

والسادسُ: جاز هبةُ الـمَبيعِ منه بعدَ الإقالةِ قبلَ القبضِ، ولو كان بيعًا في حقِّهما: لَما جاز كلَّ ذلك.

وإنما هي بيعٌ في حَقِّ ثالثٍ، أي لو بعدَ القبضِ، بلفظِ: الإقالةِ، فلو قَبْلَه: فهي فَسْخٌ في حَقِّ الكلِّ، في غيرِ العقارِ.

ولو بلفظِ: مفاسَخَةٍ، أو مُتارَكَةٍ، أو تَرادٍّ: لم تُجعَلْ بيعًا، اتفاقًا.

ولو بلفظِ: البيع: فبيعٌ، إجماعًا.

وثمرتُه في مواضِعَ:

١٤

فـــالأولُ: لو كان الـمَبيعُ عقارًا، فسَلَّمَ الشفيعُ الشفعةَ، ثم تقايلا: قُضِيَ له بها؛ لكونِها بيعًا جديدًا، فكان الشفيعُ ثالثَهما.

١٥

والثاني: لا يَرُدُّ البائعُ الثاني على الأولِ بعيبٍ عَلِمَه بعدَها؛ لأنه بيعٌ في حَقِّه.

١٦

والثالثُ: ليس للواهبِ الرجوعُ إذا باع الموهوبُ له الموهوبَ من آخَرَ، ثم تقايلا؛ لأنه كالمشتري من المشترَى منه.

١٧

والرابعُ: المشتري إذا باع الـمَبيعَ من آخَرَ قبلَ نَقْدِ الثمنِ: جاز للبائع شراؤه منه بالأقل.

والخامسُ: إذا اشترى بعُروضِ التجارةِ عبدًا للخدمة بعدَ ما حالَ عليها الحولُ، ووَجَدَ به عيبًا، فردَّه بغيرِ قضاءٍ، واستَرَدَّ العُروضَ، فهَلَكَتْ في يدِه: لم تَسقُطِ الزكاةُ، فالفقيرُ ثالثُهما، إذِ الردُّ بعيبٍ بلا قضاءٍ: إقالةٌ.

ويُزادُ: التقابضُ في الصرفِ.

ووجوبُ الاستبراءِ؛ لأنه حَقُّ الله تعالى: فاللهُ ثالثُهما. صدر الشريعة.

و 9- والإقالةُ بعدَ الإجارةِ، والرهنِ، فالمرتهنُ ثالثُهما. نهر.

فهي تسعةٌ.

١٨

والإقالةُ يَمنعُ صحتَها: هلاكُ الـمَبيعِ، ولو حُكْمًا، كإباقٍ.

١٩

لا الثمنِ، ولو في بدلِ الصرفِ.

٢٠

وهلاكُ بعضِه: يمنعُ الإقالةَ بقَدْرِه؛ اعتبارًا للجزءِ بالكلِّ.

وليس منه: ما لو شرى صابونًا، فجَفَّ، فتقايلا؛ لبقاءِ كلِّ الـمَبيع. فتح.

٢١

وإذا هَلَكَ أحدُ البدلَيْنِ في المقايضةِ، وكذا في السَّلَم: صحَّتِ الإقالةُ في الباقي منهما.

وعلى المشتري قيمةُ الهالكِ: إن قيميًا، ومثلُه: إن مثليًا، ولو هَلَكَا: بَطَلَتْ، إلا في الصرف.

٢٢

تقايلا، فأَبَقَ العبدُ من يدِ المشتري، وعَجَزَ عن تسليمِه، أو هَلَكَ المبيعُ بعدَها قبلَ القبضِ: بَطَلَت. بزازية.

٢٣

وإن اشترى أرضًا مَشْجَرَةً، فَقَطَعَه، أو عبدًا، فقُطِعَتْ يدُه، وأخَذَ أَرْشَها، ثم تقايلا: صحَّتْ، ولَزِمَه جميعُ الثمنِ، ولا شيءَ لبائعه من أَرْشِ الشجرِ واليدِ، إن عالِمًا به، بقطع اليدِ والشجرِ، وقتَ الإقالةِ.

وإن غَيْرَ عالِمٍ: خُيِّرَ بين الأخذِ بجميع ثمنِه، أو التَّرْكِ. قنية.

وفيها: شرى أرضًا مزروعةً، ثم حَصَدَه، ثم تقايلا: صحَّتْ في الأرضِ بحصتها، ولو تقايلا بعدَ إدراكِه: لم يَجُزْ.

وفيها: تقايلا، ثم عَلِمَ أنَّ المشتريَ كان وَطِئَ الـمَبيعةَ: ردَّها، وأخذَ ثمنها.

وفيها: مؤنةُ الردِّ: على البائعِ مطلقًا.

٢٤

وتصحُّ إقالةُ الإقالةِ، فلو تقايلا البيعَ، ثم تقايلاها، أي الإقالةَ: ارتفعت، وعاد البيعُ، إلا إقالةَ السَّلَم، فإنها لا تَقبلُ الإقالةَ؛ لكون الـمُسلَمِ فيه دينًا سَقَطَ، والساقِطُ لا يعودُ. أشباه.

وفيها: رأسُ المالِ بعدَ الإقالةِ: كهُوَ قبلَها، فلا يَتصرَّفُ فيه بعدَها كقَبْلِها، إلا في مسألتين: لو اختلفا فيه بعدَها: فلا تحالفَ، ولو تفرَّقا قبلَ قبضِه: جاز، إلا في الصرف.

وفيها: اختلف المتبايعان في الصحةِ والبطلانِ: فالقولُ لمدَّعي البطلانِ، وفي الصحةِ والفسادِ: لمدعي الصحة.

قلتُ: إلا في مسألةِ: إذا ادعى المشتري بيعَه من بائعِه بأقلَّ من الثمنِ، قبلَ النقد، وادعى البائعُ الإقالةَ: فالقولُ للمشتري، مع دعواه الفسادَ.

ولو بعكسِه: تحالفا بشرطِ قيامِ المبيع، إلا إذا استهلَكَه في يدِ البائعِ غيرُ المشتري.

ورأيتُ مَعزيًّا للخلاصة: باع كَرْمًا، وسلَّمَه، فأكَلَ مُشتَريه نُزُلَه سَنَةً، ثم تقايلا: لم تصح.

باب المرابحة والتولية

لَمَّا بيَّنَ الـمُثْمَنَ، شَرَعَ في الثمن.

ولم يَذكُرِ المساوَمَةَ، والوَضيعةَ؛ لظهورِهما.

١

الـمُرابَحةُ، مصدر: رابَحَ.

٢

وشرعًا: بيعُ ما مَلَكَه من الـعُروضِ، ولو بهبةٍ، أو إرْثٍ، أو وصيةٍ، أو غَصْبٍ، فإنه إذا ثمَّنَه بما قام عليه، وبفضلِ مؤنةٍ، وإن لم تكنْ من جِنسِه، كأجر قَصَّارٍ، ونحوِه، ثم باعه مرابحةً على تلك القيمةِ: جاز. مبسوط.

٣

والتوليةُ: مصدر: وَلَّى غيرَه: جَعَلَه واليًا.

٤

وشرعًا: بيعُه بثمنِه الأولِ، ولو حُكْمًا، يعني بقيمتِه.

وعبَّر عنها به؛ لأنه الغالبُ.

٥

وشَرْطُ صحتِهما: كَوْنُ العِوَضِ مثليًا، أو قيميًّا، مملوكًا للمشتري.

و كَونُ الربحِ شيئًا معلومًا، ولو قيميًّا مشارًا إليه، كهذا الثوبِ؛ لانتفاءِ الجهالةِ.

حتى لو باعَهُ بربحِ: دَهْ يازْدَه: أي العشرةَ بأحدَ عشر: لم يَجُزْ، إلا أن يَعلَمَ بالثمنِ في المجلسِ، فيُخيَّرُ. شرح المجمع، للعيني.

٦

ويَضُمُّ البائعُ إلى رأسِ المالِ أجْرَ القَصَّارِ، والصَّبْغ بأيّ لونٍ كان، والطِّرَازِ: بالكَسْرِ: عَلَمُ الثوب، والفَتْلِ، وحَمْلِ الطعام، وسَوْقِ الغنمِ، وأجرةَ الغَسْلِ، والخياطةِ.

وكسوتَه، وطعامَ الـمَبيع، بلا سَرَفٍ، وسَقْيَ الزرعِ، والكُرومِ، وكَسْحَها، وكَرْيَ الـمُسَنَّاةِ، والأنهارِ، وغَرْسَ الأشجارِ، وتجصيصَ الدارِ.

٧

وأجرةَ السِّمْسارِ، هو الدالَّ على مكانِ السلعةِ، وصاحبِها، الـمَشروطةَ في العقدِ، على ما جَزَمَ به في الدرر، ورجَّحَ في البحر: الإطلاقَ.

وضابطُه: كلَّ ما يَزيدُ في الـمَبيع، أو في قيمتِه: يُضَمُّ. درر.

واعتَمَدَ العينيُّ وغيرُه عادةَ التجارِ بالضمِّ.

٨

ويقولُ: قام عليَّ بكذا، ولا يقولُ: اشتريتُه؛ لأنه كَذِبٌ.

وكذا إذا قَوَّمَ الموروثَ، ونحوَه، أو باع برَقْمِه لو صادقًا في الرَّقْم. فتح.

٩

لا يَضُمُّ أجرَ الطبيبِ، والـمُعلِّمِ. درر، ولو للعلمِ، والشِّعْرِ، وفيه: ما فيه، ولذا علَّلَه في المبسوط: بعدم العُرفِ. والدلالةِ، والراعي.

و لا نفقةَ نفسِه، ولا أجرَ عملٍ بنفسِه، أو تطوَّعَ به متطوِّعٌ.

١٠

وجُعْلَ الآبِقِ، وكراءَ بيتِ الحفظ.

بخلاف أجرةِ الـمَخزَنِ: فإنها تُضَمُّ، كما صرَّحوا به، وكأنه للعُرْفِ، وإلا: فلا فَرْقَ يَظهرُ، فتدبَّر.

١١

وما يُؤخَذُ في الطريقِ من الظُّلْمَ لا يُضَمُّ إلا إذا جَرَتِ العادةُ بضَمِّه، هذا هو الأصلُ كما عَلِمْتَ، فليكُنِ الـمُعَوَّلَ عليه، كما يفيدُه كلامُ الكمال.

١٢

فإن ظَهَرَت خيانتُه في مرابحةٍ، بإقرارِه، أو برهانٍ على ذلك، أو بنُكُولِه عن اليمينِ: أَخَذَه المشتري بكلِّ ثمنِه، أو ردَّه؛ لفواتِ الرضا.

١٣

وله الحَطُّ قَدْرَ الخيانةِ في التوليةِ؛ لتحقَّقِ التولية.

١٤

ولو هَلَكَ الـمَبيعُ، أو استهلَكَه في المرابحة قَبْلَ رَدِّه، أو حَدَثَ به ما يَمنعُ منه من الردِّ: لَزِمَه بجميع الثمنِ المسمى، وسقط خيارُه.

وقدَّمْنا أنه لو وَجَدَ المولَّى بالـمَبيعِ عيبًا، ثم حَدَثَ آخَرُ: لم يرجع بالنقصانِ.

١٥

شراهُ ثانيًا بجنسِ الثمنِ الأولِ، بعدَ بيعِه بربحٍ: فإن رابَحَ، طَرَحَ ما رَبِحَ قبلَ ذلك.

١٦

وإن استغرَقَ الربحُ ثمنَه: لم يُرابِحْ، خلافًا لهما، وهو أرفقُ، وقولُه أوثَقُ. بحر.

ولو بيَّنَ ذلك، أو باع بغيرِ الجنسِ، أو تخلَّلَ ثالثٌ: جاز، اتفاقًا. فتح.

١٧

رابَحَ، أي جازَ أن يَبيعَ مرابحةً لغيره، سَيِّدٌ شرى مِن مكاتَبِه، أو مأذونِه، ولو الـمُستغرِقَ دينُه لرقبتِه، فاعتبارُ هذا القَيْدِ: لتحقيقِ الشراءِ، فغيرُ المديونِ: بالأَوْلى، على ما شرى المأذونُ، كعكسِه؛ نفيًا للتهمة.

وكذا كلُّ مَن لا تُقبَلُ شهادتُه له، كأصلِه، وفَرْعِه، ولو بيَّنَ ذلك رابَحَ على شراءِ نفسِه. ابن كمال.

١٨

ولو كان مضاربًا معه عشرةٌ، بالنصفِ، اشترى بها ثوبًا، وباعه من ربِّ المال بخمسةَ عشرَ: باع الثوبَ مرابحةً ربُّ المالِ باثني عشرَ ونصفٍ؛ لأنَّ نصفَ الربحِ مِلْكُه.

وكذا عكسُه، كما سيجيءُ في بابه، وتحقيقُه في النهر.

١٩

يُرابِحُ مريدُها بلا بيانٍ، أي من غير بيانِ، أنه اشتراه سليمًا.

أما بيانُ نفسِ العيبِ: فواجبٌ.

٢٠

فتعيَّبَ عندَه بالتعيُّبِ بآفَةٍ سماويةٍ، أو بصُنْعِ الـمَبيع، ووَطءِ الثيب، ولم يُنقِصْها الوطءُ، كقَرْضِ فأرٍ، وحَرَقِ نارٍ للثوبِ المشترى.

وقال أبو يوسف، وزفرُ، والثلاثةُ: لا بدَّ من بيانِه.

قال أبو الليث: وبه نأخذُ، ورجَّحَه الكمالُ، وأقرَّه المصنِّفُ.

٢١

و يرابِحُ ببيانٍ بالتعيُّب، ولو بفعلِ غيرِه بغيرِ أمرِه، وإن لم يأخذِ الأرشَ.

وقَيْدُ أَخْذِه في الهداية، وغيرِها: اتفاقيٌّ. فتح.

٢٢

ووطْءِ البِكْرِ: كتكسُّرِه، بنَشْرِه وطيِّه؛ لصيرورةِ الأوصافِ مقصودةً بالإتلاف؛ ولذا قال: ولم يَنقُصْها الوطءُ.

٢٣

اشتراه بألفٍ نسيئةً، وباع بربحِ مائةٍ بلا بيانٍ: خُيِّر المشتري.

فإن تَلِفَ المبيعُ بتَعَيُّبٍ، أو تَعييبٍ، فعَلِمَ بالأجل: لَزِمَه كلُّ الثمنِ حالًّا.

٢٤

وكذا حُكْمُ التوليةِ في جميعِ ما مَرَّ.

وقال أبو جعفر: المختارُ للفتوى: الرجوعُ بفضلِ ما بين الحالِّ والمؤجَّلِ. بحر، ومصنِّف.

٢٥

ولَّى رجلًا شيئًا، أي باعه توليةً، بما قام عليه، أو بما اشتراه به، ولم يَعلمِ المشتري بكم قام عليه: فَسَدَ البيعُ؛ لجهالة الثمن.

٢٦

وكذا حكمُ المرابحةِ، وخُيِّرَ المشتري بين أخْذِه وتَرْكِه، لو عَلِمَ في مجلسِه، وإلا: بطل.

٢٧

واعلم أنه لا رَدَّ بغَبْنٍ فاحِشٍ، هو ما لا يَدخُلُ تحتَ تقويمِ المقوِّمين، في ظاهرِ الرواية، وبه أفتى بعضُهم مطلقًا، كما في القنية.

٢٨

ثم رَقَمَ، وقال: ويُفتى بالردِّ؛ رِفْقًا بالناسِ، وعليه أكثرُ رواياتِ المضاربةِ، وبه يُفتَى.

٢٩

ثم رَقَمَ، وقال: إن غَرَّه، أي غَرَّ المشتري البائعَ، أو بالعكسِ، أو غَرَّه الدلَّالُ: فله الردُّ، وإلا: لا، وبه أفتى صدرُ الإسلامِ، وغيرُه.

٣٠

ثم قال: وتصرُّفُه في بعضِ الـمَبيع قبلَ عِلْمِه بالغَبْنِ: غيرُ مانعٍ منه، فيَرُدُّ مثلَ ما أتلفه، ويرجعُ بكلِّ الثمن، على الصواب. اهـ، ملخَّصًا.

بقيَ ما لو كان قيميًّا؟ لم أرَه.

قلتُ: وبالأخير جَزَمَ الإمامُ علاءُ الدين السمرقنديُّ في تحفة الفقهاء، وصحَّحه الزيلعيُّ، وغيرُه.

وفي كفالة الأشباه عن بيوع الخانية من فصل الغرور: الغرورُ لا يوجِبُ الرجوعَ إلا في ثلاثٍ:

منها: هذه، وضابطُها: أن يكونَ في عقدٍ يرجعُ نفعُه إلى الدافعِ، كوديعةٍ وإجارةٍ، فلو هَلَكَا، ثم استُحِقَّا: رجعَ على الدافع بما ضَمِنَه.

ولا رجوعَ في عاريةٍ، وهبةٍ؛ لكون القبضِ لنفسِه.

الثانيةُ: أن يكونَ في ضِمْنِ عقدِ معاوضةٍ، كـــ: بايِعُوا عبدي، أو ابني، فقد أذِنْتُ له ، ثم ظَهَرَ حرًا، أو ابنَ الغير: رجعوا عليه؛ للغرور إن كان الأبُ حرًا، وإلا: فبعدَ العتق، وهذا إن أضافَه إليه، وأمَرَ بمبايعته.

ومنه: لو بنى المشتري، أو استولَدَ، ثم استُحِقَّا: رجعَ على البائع بقيمةِ البناءِ، والولدِ.

ومنه: ما يأتي في بابِ الاستحقاقِ: اشترني، فأنا عبدٌ، بخلاف: ارتـهِنِّي.

الثالثةُ: إذا كان الغُرُورُ بالشرطِ، كما لو زوَّجَه امرأةً على أنها حرةٌ، ثم استُحِقَّتْ: رَجَعَ على الـمُخبِرِ بقيمةِ الولدِ المستَحَقِّ، وسيجيءُ آخَرَ الدعوى.

فرعٌ: هل يَنتقِلُ الردُّ بالتغرير إلى الوارثِ؟

استظهَرَ المصنِّفُ: لا؛ لتصريحِهم بأنَّ الحقوقَ المجرَّدَةَ لا تورَثُ.

قلتُ: وفي حاشية الأشباه، لابنِ المصنِّفِ: وبه أفتى شيخُنا العلامةُ عليٌّ المقدسيُّ، مفتي مِصرَ.

قلتُ: وقد قدَّمناه في خيارِ الشرط، معزّيًا للدرر.

لكن ذَكَرَ المصنِّفُ في شرحِ منظومتِه الفقهية ما يُخالِفُه، ومالَ إلى أنه يورَثُ، كخيارِ العيبِ، ونَقَلَه عنه ابنُه في كتابه: معونةُ المفتي، في كتابِ الفرائض، وأيَّدَه بما في بحثِ: القولُ في الـمِلك، من الأشباه، قُبَيْلَ التاسعةِ: أن الوارثَ يَرُدُّ بالعيبِ، ويصيرُ مغرورًا، بخلافِ الوصيِّ، فتأمَّلْ.

وقدَّمْنا عن الخانية: أنه متى عايَنَ ما يُعرَفُ بالعِيان: انتفى الغَرَرُ، فتدبَّرْ.

فصلٌ في التصرُّفِ في الـمَبيع والثمن قبلَ القبضِ، والزيادةِ، والـحَطِّ فيهما، وتأجيلِ الدُّيون
١

صحَّ بيعُ عقارٍ لا يُخشى هلاكُه قبلَ قَبْضِه من بائعِه؛ لعدم الغررِ؛ لنُدْرةِ هلاكِ العقار.

٢

حتى لو كان عُلْوًا، أو على شَطِّ نهرٍ، ونحوِه: كان كمنقولٍ، فــــلا يصحُّ، اتفاقًا، ككتابةٍ، وإجارةٍ، وبيعِ مَنقولٍ قبلَ قبضِه، ولو من بائعِه، كما سيجيءُ.

٣

بخلاف عِتْقِه، وتدبيره، وهبتِه، والتصدُّقِ به، وإقراضِه، ورَهْنِه، وإعارتِه من غيرِ بائعِه: فإنه صحيحٌ على قولِ محمدٍ، وهو الأصحُّ.

والأصلُ: أنَّ كلَّ عِوَضٍ مُلِكَ بعقدٍ يَنفسخُ بهلاكِه قبلَ قَبْضِه: فالتصرُّفُ فيه غيرُ جائزٍ، وما لا: فجائزٌ. عيني.

٤

والمنقولُ لو وَهَبَه من البائعِ قبلَ قَبْضِه، فقَبِلَه البائعُ: انتقَضَ البيعُ، ولو باعه منه قَبْلَه: لم يصحَّ هذا البيعُ، ولم ينتقِضِ البيعُ الأولُ؛ لأن الهبةَ مَجازٌ عن الإقالة.

بخلافِ بيعِه قبلَه: فإنه باطلٌ مطلقًا. جوهرة.

قلتُ: وفي المواهب: وفَسَدَ بيعُ المنقولِ قبلَ قَبْضِه. انتهى، ونفيُ الصحةِ: يحتملُهما، فتدبَّر.

٥

اشترى مَكِيلًا بشَرْطِ الكَيْلِ: حَرُمَ، أي كُره تحريمًا، بيعُه، وأَكْلُه حتى يَكيلَه، وقد صرَّحوا بفسادِه.

وبأنه لا يُقالُ لآكِلِه: إنه أكَلَ حرامًا؛ لعدم التلازُمِ، كما بَسَطَه الكمالُ؛ لكونه أَكَلَ مِلْكَه.

٦

ومثلُه الموزونُ، والمعدودُ بشَرْطِ الوزنِ، والعَدِّ؛ لاحتمالِ الزيادة، وهي للبائع، بخلافِه مجازفةً؛ لأن الكلَّ للمشتري.

٧

وقيَّدَ بقولِه: غيرُ الدراهمِ، والدنانيرِ؛ لجواز التصرُّفِ فيهما بعدَ القبضِ، قبلَ الوزنِ، كبيع التعاطي، فإنه لا يُحتاجُ في الموزونات إلى وَزْنِ المشتري ثانيًا؛ لأنه صار بيعًا بالقبض بعدَ الوزن. قنية، وعليه الفتوى. خلاصة.

٨

وكفى كَيْلُه من البائعِ بحَضْرَتِه، أي المشتري، بعدَ البيع.

لا قَبْلَه أصلًا، أو بعدَه بغَيْبتِه.

فلو كيلَ بحَضْرةِ رَجُلٍ، فشراه، فباعَه قبلَ كَيْلِه: لم يَجُزْ وإن اكتاله الثاني؛ لعدم كيلِ الأولِ، فلم يكن قابضًا. فتح.

٩

ولو كان المكيلُ أو الموزونُ ثمنًا: جاز التصرُّفُ فيه قبلَ كيلِه، ووَزْنِه؛ لجوازِه قبلَ القبضِ، فقبلَ الكيل أَوْلى.

١٠

لا يَحرُمُ الـمَذروعُ قبلَ ذَرْعِه وإن اشتراه بشَرْطِه، إلا إذا أفرد لكلِّ ذراعٍ ثمنًا: فهو في حُرْمةِ ما ذُكِرَ: كموزونٍ.

والأصلُ ما مَرَّ مِرارًا: أنَّ الذَّرْعَ وَصْفٌ، لا قَدْرٌ، فيكونُ كلَّه للمشتري، إلا إذا كان مقصودًا.

واستثنى ابنُ الكمالِ من الموزون: ما يَضُرُّه التبعيضُ؛ لأن الوزنَ حينئذٍ فيه وَصْفٌ.

١١

وجاز التصرُّفُ في الثمنِ بهبةٍ، أو بيعٍ، أو غيرِهما لو عَيْنًا، أي مُشارًا إليه، ولو دينًا: فالتصرُّفُ فيه: تمليكٌ ممن عليه الدينُ، ولو بعِوَضٍ، ولا يجوزُ من غيرِه. ابن ملك.

١٢

قبلَ قَبْضِه، سواءٌ تعيَّنَ بالتعيينِ، كمكيلٍ، أوْ لا، كنُقودٍ، فلو باع إبلًا بدراهمَ، أو بِكُرِّ بُرٍّ: جاز أَخْذُ بدلِهما شيئًا آخَرَ.

١٣

وكذا الحُكْمُ في كلِّ دَيْنٍ قبلَ قَبْضِه، كمهرٍ، وأجرةٍ، وضمانِ مُتلَفٍ، وبدلِ خلعٍ، وعِتْقٍ بمالٍ، وموروثٍ، وموصًى به.

والحاصلُ: جوازُ التصرُّفِ في الأثمانِ، والديونِ كلِّها قبلَ قَبْضِها. عيني.

١٤

سوى صَرْفٍ، وسَلَمٍ، فلا يجوزُ أَخْذُ خلافِ جنسِه؛ لفواتِ شَرْطِه.

١٥

وصحَّتِ الزيادةُ فيه، ولو من غيرِ جنسِه، في المجلسِ أو بعدَه، من المشتري، أو وارِثِه. خلاصة، ولفظُ ابن ملك: أو من أجنبي.

١٦

إن في غيرِ صرفٍ، وقَبِلَ البائعُ في المجلسِ، فلو بعدَه: بَطَلَتْ. خلاصة.

وفيها: لو نَدِمَ بعدَ ما زادَ: أُجْبِرَ.

١٧

وكان المبيعُ قائمًا، فلا تصحُّ بعدَ هلاكِه، ولو حُكْمًا على الظاهر، بأن باعه، ثم شَراه، ثم زاده.

زاد في الخلاصة: وكونُه مَحَلًّا للمقابلةِ، في حقِّ المشتري حقيقةً، فلو باع بعدَ القبضِ، أو دَبَّرَ، أو كاتَبَ، أو ماتتِ الشاةُ، فزاد: لم يَجُزْ؛ لفواتِ مَحَلِّ البيع.

بخلافِ ما لو أجَّرَ، أو رَهَنَ، أو جَعَلَ الحديدَ سيفًا، أو ذَبَحَ الشاةَ؛ لقيامِ الاسمِ والصورةِ، وبعضِ المنافع.

١٨

وصحَّ الحَطُّ منه، ولو بعدَ هلاكِ المبيعِ، وقَبْضِ الثمنِ.

١٩

والزيادةُ والحَطَّ، يَلتحِقان بأصل العقدِ بالاستناد، فبَطَلَ حَطَّ الكلِّ.

وأثَرُ الالتحاقِ: في توليةٍ، ومرابحةٍ، وشفعةٍ، واستحقاقٍ، وهلاكٍ، وحَبْسِ مَبيعٍ، وفسادِ صَرْفٍ، لكن إنما يَظهرُ في الشفعةِ الحَطُّ فقط.

٢٠

و صحَّت الزيادةُ في المبيع، ولَزِمَ البائعَ دَفْعُها إنْ في غيرِ سَلَمٍ. زيلعي، وقَبِلَ المشتري، وتَلتَحِقُ أيضًا بالعقدِ.

فلو هَلَكَتِ الزيادةُ قَبْلَ قَبْضٍ: سَقَطَ حصتُها من الثمن.

ولو زاد في الثمنِ عَرْضًا، فهَلَكَ قبلَ تسليمِه: انفسخ العقدُ بقَدْرِه. قنية.

٢١

ولا يُشترَطُ للزيادة هنا: قيامُ الـمَبيع، فتصحُّ بعدَ هلاكِه، بخلافه في الثمنِ، كما مَرَّ.

٢٢

ويصحُّ الحَطُّ من الـمَبيع إن كان الـمَبيعُ دَيْنًا، وإن عَيْنًا: لا يصح؛ لأنه إسقاطٌ، وإسقاطُ العينِ لا يصح.

بخلافِ الدينِ، فيرجعُ بما دَفَعَ في براءةِ الإسقاطِ، لا في براءةِ الاستيفاءِ، اتفاقًا، ولو أطلقها: فقولان.

وأما الإبراءُ المضافُ إلى الثمنِ: فصحيحٌ، ولو بهبةٍ، أو حَطٍّ: فيرجعُ المشتري بما دَفَعَ، على ما ذَكَرَه السرخسيُّ، فليُتأمَّلُ عندَ الفتوى. بحر.

قال في النهر: وهو المناسِبُ للإطلاق.

وفي البزازية: باعه على أن يَهَبَه من الثمنِ كذا: لا يصحُّ.

ولو على أن يَحُطَّ من ثمنِه كذا: جاز؛ للُحوقِ الحَطِّ بأصلِ العقدِ، دونَ الهبة.

٢٣

والاستحقاقُ لبائعٍ، أو مشترٍ، أو شفيعٍ يتعلَّقُ بما وَقَعَ عليه العقدُ.

و يتعلَّقُ بالزيادةِ أيضًا، فلو رَدَّ بنحوِ عيبٍ: رَجَعَ المشتري بالكلّ.

٢٤

ولَزِمَ تأجيلُ كلِّ دينٍ إن قَبِلَ المديونُ، إلا في سَبْعٍ، على ما في مداينات الأشباه: بَدَلَيْ صرفٍ، وسَلَمٍ، وثمنٍ عندَ إقالةٍ، وبعدها، وما أخَذَ به الشفيعُ، ودينِ الميت.

٢٥

والسابعُ: القرضُ، فلا يلزمُ تأجيلُه، إلا في أربع:

٢٦

إذا كان مجحودًا.

أو حَكَمَ مالكيٌّ بلزومِه بعدَ ثبوتِ أصلِ الدينِ عندَه.

أو أحاله على آخَرَ، فأجَّلَه الـمُقرِضُ، أو أحاله على مديونٍ مؤجَّلٍ دينُه؛ لأن الحوالةَ مُبْرِئةٌ.

والرابعُ: الوصيةُ.

٢٧

أوصى بأن يُقرِضَ من مالِه ألفَ درهمٍ فلانًا إلى سَنَةٍ: فيَلزَمُ من ثلثِه، ويُسامَحُ فيها؛ نظرًا للموصي.

٢٨

أو أوصى بتأجيلِ قَرْضِه الذي له على زيدٍ سَنَةً: فيصحُّ، ويَلزَمُ.

والحاصِلُ: أن تأجيلَ الدَّيْنِ على ثلاثةِ أوجُهٍ:

باطلٍ في بَدَلَيْ صرفٍ، وسَلَمٍ.

وصحيحٍ غيرِ لازمٍ في قرضٍ، وإقالةٍ، وشفيعٍ، ودينِ ميتٍ.

ولازمٍ فيما عدا ذلك.

وأقرَّه المصنِّفُ، وتَعَقَّبَه في النهر بأنَّ الـمُلحَقَ بالقرضِ: تأجيلُه باطلٌ.

قلتُ: ومِن حِيَلِ تأجيلِ القرضِ: كفالتُه مؤجَّلًا، فيتأخَّرُ عن الأصيل؛ لأنَّ الدَّيْنَ واحدٌ. بحر، ونهر، فهي خامسةٌ، فلتُحفَظ.

وفي حِيَلِ الأشباه: حيلةُ تأجيلِ دينِ الميت: أن يُقِرَّ الوارثُ بأنه ضَمِنَ ما على الميتِ في حياتِه مؤجَّلًا إلى كذا، ويُصدِّقَه الطالبُ أنه كان مؤجَّلًا عليهما، ويُقِرَّ الطالبُ بأن الميتَ لم يتركْ شيئًا، وإلا: لأُمِرَ الوارثُ بالبيع للدَّيْن.

وهذا على ظاهرِ الرواية، من أنَّ الدَّيْنَ إذا حَلَّ بموتِ المديونِ: لا يَحِلُّ على كفيلِه.

قلتُ: وسيَجيءُ آخِرَ الكتابِ: أنه لو حَلَّ بموتِه، أو أدَّاه قبلَ حُلولِه: ليس له من المرابحةِ إلا بقَدْرِ ما مضى من الأيام، وهو جوابُ المتأخرين.

فصلٌ في القَرْض
١

هو لغةً: ما تُعطيه لتتقاضاه، وشرعًا: ما تُعطيه من مِثلِيٍّ؛ لتتقاضاه.

٢

وهو أخصَرُ من قولِه: عقدٌ مخصوصٌ، أي بلفظِ: القرضِ، ونحوه.

٣

يَرِدُ على دَفْعِ مالٍ، بمنزلةِ الجنسِ، مِثْليٍّ، خَرَجَ: القيميُّ، لآخَرَ؛ ليَرُدَّ مِثْلَه، خَرَجَ: نحوُ وديعةٍ، وهبةٍ.

٤

وصحَّ القرضُ في مِثْليٍّ، هو: كلُّ ما يُضمَنُ بالمِثْلِ عندَ الاستهلاكِ، لا في غيرِه من القِيميَّات، كحيوانٍ، وحَطَبٍ، وعقارٍ، وكلِّ متفاوِتٍ؛ لتعذُّرِ ردِّ المِثْلِ.

واعلم أنَّ المقبوضَ بقَرْضٍ فاسدٍ: كمقبوضٍ ببيعٍ فاسدٍ سواءٌ، فيَحْرُمُ الانتفاعُ به، لا بيعُه؛ لثبوتِ الملكِ. جامع الفصولين.

٥

فيصحُّ استقراضُ الدراهمِ، والدنانيرِ.

وكذا كلُّ ما يُكالُ، أو يُوزَنُ، أو يُعَدُّ متقارِبًا.

فصحَّ استقراضُ جَوْزٍ، وبَيْضٍ، وكاغَدٍ عددًا، ولحمٍ وزنًا، وخُبْزٍ وزنًا، وعددًا، كما سيجيء.

٦

استقرض من الفلوسِ الرائجةِ، والعَدَالِيِّ، فكَسَدَتْ: فعليه مثلُها كاسدةً، ولا يَغرَمُ قيمتَها.

وكذا كلُّ ما يُكالُ، ويوزَنُ؛ لِما مَرَّ أنه مضمونٌ بمثلِه.

فلا عبرةَ بغَلائه أو رُخْصِه. ذَكَرَه في المبسوط من غيرِ خلافٍ.

وجَعَلَه في البزازية، وغيرِها قولَ الإمام.

وعندَ الثاني: عليه قيمتُها يومَ القبضِ.

وعندَ الثالثِ: قيمتُها في آخِرِ يومِ رَواجِها، وعليه الفتوى.

٧

قال: وكذا الخلافُ إذا استَقْرَضَ طعامًا بالعراق، فآخَذَه صاحبُ القرضِ بمكةَ: فعليه قيمتُه بالعراقِ يومَ اقتراضِه عندَ الثاني، وعندَ الثالثِ: يومَ اختَصَمَا، وليسَ عليه أن يَرجِعَ معه إلى العراقِ، فيأخذَ طعامَه.

ولو استقرَضَ الطعامَ ببلدٍ الطعامُ فيه رخيصٌ، فلَقِيَه الـمُقرِضُ في بلدٍ الطعامُ فيه غَالٍ، فأَخَذَه الطالبُ بحقِّه: فليس له حَبْسُ المطلوبِ، ويُؤمَرُ المطلوبُ بأن يُوَثِّقَ له بكفيلٍ حتى يُعطِيَه طعامَه في البلدِ الذي أخَذَه منه.

استقرَضَ شيئًا من الفواكِهِ كَيْلًا أو وزنًا، فلم يُقْبِضْه حتى انقَطَعَ: فإنه يُجبَرُ صاحبُ القرضِ على تأخيرِه إلى مجيءِ الحديثِ، إلا أن يتراضيا على القيمةِ؛ لعدمِ وجودِه.

بخلافِ الفلوسِ إذا كَسَدَتْ، وتمامُه في صرف الخانية.

٨

ويَملِكُ الـمُستقرِضُ القرضَ بنفسِ القبضِ عندَهما، أي الإمامِ ومحمدٍ، خلافًا للثاني، فله ردُّ الـمِثْلِ ولو قائمًا، خلافًا له؛ بناءً على انعقادِه بلفظِ: القرض.

وفيه تصحيحان، وينبغي اعتمادُ الانقعادِ؛ لإفادتِه الملكَ للحال. بحر.

فجاز شراءُ المستقرِضِ القرضَ ولو قائمًا من الـمُقرِضِ بدراهمَ مقبوضةٍ، فلو تفرَّقا قبلَ قَبْضِها: بَطَلَ؛ لأنه افتراقٌ عن دَيْنٍ. بزازية، فليُحفَظ.

٩

أقرض صبيًّا محجورًا، فاستهلَكَه الصبيُّ: لا يضمَنُ، خلافًا للثاني.

١٠

وكذا الخلافُ لو باعه، أو أودَعَه، ومثلُه: المعتوهُ.

ولو كان المستقرِضُ عبدًا محجورًا: لا يؤاخَذُ به قبلَ العتقِ خلافًا للثاني، وهو كالوديعةِ سواءٌ. خانية.

١١

وفيها: استقرَضَ من آخَرَ دراهمَ، فأتاه الـمُقرِضُ بها، فقال المستقرِضُ: ألقِهَا في الماءِ، فألقاها: قال محمدٌ: لا شيءَ على المستقرِضِ.

وكذا الدينُ، والسَّلَمُ، بخلافِ الشراءِ، والوديعة: فإنه بالإلقاء: يُعَدُّ قابِضًا.

والفرقُ: أنَّ له إعطاءَ غيرِه في الأولِ، لا الثاني، وعزاه لغريبِ الرواية.

١٢

وفيها: القرضُ لا يتعلَّقُ بالجائزِ من الشروطِ، فالفاسدُ منها لا يُبطِلُه، ولكنه يَلغو شرطُ ردِّ شيءٍ آخَرَ.

فلو استقرَضَ الدراهمَ المكسورةَ، على أن يؤدِّيَ صحيحًا: كان باطلًا، وكذا لو أقرَضَه طعامًا بشرطِ ردِّه في مكانٍ آخَرَ.

١٣

وكان عليه مثلُ ما قَبَضَ، فإن قضاه أجودَ بلا شَرْطٍ: جاز، ويُجبَرُ الدائنُ على قبولِ الأجودِ، وقيل: لا. بحر.

وفي الخلاصة: القرضُ بالشرطِ: حرامٌ، والشرطُ: لغوٌ، بأن يُقرِضَ على أن يَكتُبَ به إلى بلدِ كذا ليوفِّيَ دينَه.

وفي الأشباه: كلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا: حرامٌ، فكُرِه للمرتهنِ سكنى المرهونةِ بإذنِ الراهن.

فروعٌ:

استقرَضَ عشرةَ دراهمَ، وأرسَلَ عبدَه لأَخْذِها، فقال الـمُقرِضُ: دفعتُه إليه، وأقرَّ العبدُ به، وقال: دفعتُها إلى مولايَ، فأنكَرَ المولى قَبْضَ العبدِ العشرةَ: فالقولُ له، ولا شيءَ عليه.

ولا يرجعُ الـمُقرِضُ على العبدِ؛ لأنه أقرَّ أنه قَبَضَها بحَقٍّ. انتهى.

عشرونَ رجلًا جاؤوا، واستقرضوا من رجلٍ، وأمَروه بالدفع لأحدِهم، فدَفَعَ: ليس له أن يَطلبَ منه إلا حصتَه.

قال: ت: ومُفادُه: صحةُ التوكيلِ بقَبْضِ القرضِ، لا بالاستقراض. قنية.

وفيها: استقراضُ العجينِ وَزْنًا: يجوز.

وينبغي جوازُه في الـخَمِيرةِ، بلا وزنٍ، سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن خميرةٍ يتعاطاها الجيرانُ، أيكونُ ربًا؟

فقال: ما رآه المسلمونَ حَسَنًا: فهو عندَ الله حَسَنٌ، وما رآه المسلمونَ قبيحًا: فهو عندَ الله قبيحٌ.

وفيها: شراءُ الشيءِ اليسيرِ بثمنٍ غالٍ لحاجةِ القرضِ: يجوزُ، ويكره، وأقرَّه المصنِّفُ.

قلتُ: وفي معروضاتِ المفتي أبي السعود: لو ادَّان زيدٌ العشرةَ باثني عشرَ، أو بثلاثةَ عشرَ، بطريقِ المعاملةِ في زمانِنا، بعدَ أن وَرَدَ الأمرُ السلطانيُّ، وفتوى شيخِ الإسلامِ: بأنْ لا تُعطى العشرةُ بأزيدَ من عشرةٍ ونصفٍ، ونُبِّه على ذلك، فلم يَمتثِلْ، ماذا يلزمُه؟

فأجاب: يُعزَّزُ، ويُحبَسُ إلى أن تَظهَرَ توبتُه وصلاحُه، فيُترَكُ.

وفي هذه الصورة: هل يَرُدُّ ما أَخَذَه من الربحِ لصاحبِه؟

فأجاب: إن حَصَّلَه منه بالتراضي: وَرَدَ الأمرُ بعدمِ الرجوع، لكن يظهرُ أنَّ المناسبَ الأمرُ بالرجوع، وأقبحُ من ذلك: السَّلَمُ، حتى إن بعضَ القُرَى قد خَرِبَتْ بهذا الخصوص. اهـ

باب الربا
١

هو لغةً: مطلَقُ الزيادة، وشرعًا: فضلٌ، ولو حُكْمًا.

فدَخَلَ ربا النَّسيئةِ، والبيوعُ الفاسدةُ، فكلُّها من الربا، فيجبُ ردُّ عَيْنِ الربا لو قائمًا، لا ردُّ ضمانِه؛ لأنه يُملَكُ بالقبضِ. قنية، وبحر.

٢

خالٍ عن عِوَضٍ، خَرَجَ مسألةُ صَرْفِ الجنسِ بخلافِ جنسِه.

٣

بمعيارٍ شرعيٍّ، وهو الكيلُ، والوزنُ، فليس الذَّرْعُ، والعَدُّ بِرِبًا.

٤

مشروطٌ ذلك الفضلُ لأحدِ المتعاقدَيْن، أي بائعٍ، أو مُشتَرٍ، فلو شُرِطَ لغيرهما: فليس بربًا، بل بيعًا فاسدًا.

٥

في المعاوَضةِ، فليس الفضلُ في الهبةِ بربًا، فلو شرى عشرةَ دراهمَ فضةٍ، بعشرةِ دراهمَ، وزاده دانِقًا إن وَهَبَه منه: انعدم الربا، ولم يَفسُدِ الشراءُ.

وهذا إن ضَرَّها الكَسْرُ؛ لأنها هبةُ مُشاعٍ، لا يُقسَمُ، كما في الـمِنَح عن الذخيرة، عن محمدٍ.

وفي صَرْفِ المجمع: أن صحةَ الزيادةِ، والحَطِّ: قولُ الإمام، وأنَّ محمدًا أجازَ الحَطَّ، وجَعَلَه هبةً مبتَدَأةً، كحَطِّ كلِّ الثمنِ، وأبطَلَ الزيادةَ.

قال ابن مَلَك: والفَرْقُ بينهما خَفِيٌّ عندي.

قال: وفي الخلاصة: لو باع درهمًا بدرهمٍ، وأحدُهما أكثرُ وزنًا، فحلَّلَه زيادتَه: جاز؛ لأنه هبةُ مُشاعٍ لا يُقسَمُ.

ولو باع قطعةَ لحمٍ بلحمٍ أكثرَ وزنًا، فوَهَبَه الفضلَ: لم يَجُزْ؛ لأنه هبةُ مُشاعٍ يُقسَمُ.

قلتُ: وما قدَّمْنا عن الذخيرة عن محمدٍ: صريحٌ في عدمِ الفَرْقِ بينهما، وعليه فالكلُّ من الزيادةِ والحَطِّ، والعقدُ صحيحٌ عندَ محمدٍ.

وكذا عندَ الإمامِ ، سوى العقدِ، فيَفسُدُ؛ لعدمِ التساوي، فليُحفَظ، فإني لم أرَ من نبَّه على هذا.

٦

وعِلَّتُه، أي علةُ تحريمِ الزيادةِ: القَدْرُ المعهودُ بكيلٍ، أو وزنٍ، مع الجنسِ.

فإن وُجِدَا: حَرُمَ الفضلُ، أي الزيادةُ، والنَّسَاءُ: بالـمَدِّ: التأخيرُ.

فلم يَجُزْ بيعُ قَفيزِ بُرٍّ، بقَفيزٍ منه متساويًا، وأحدُهما نَساءٌ.

٧

وإن عُدِما: بكَسْرِ الدالِ، من باب: عَلِمَ. ابن ملك: حَلَّا، كهَرَوِيٍّ بمَرْوِيَّيْن؛ لعدمِ العلةِ، فبقِيَ على أصلِ الإباحةِ.

٨

وإن وُجِدَ أحدُهما، أي القَدْرُ وحدَه، أو الجنسُ: حَلَّ الفضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ ولو مع التساوي.

حتى لو باع عبدًا بعبدٍ، إلى أَجَلٍ: لم يَجُزْ؛ لوجودِ الجنسية.

واستثنى في المجمع، والدرر: إسلامَ مَنْقودٍ في موزونٍ؛ كي لا تَنْسَدَّ أكثرُ أبوابِ السَّلَمِ.

ونَقَلَ ابنُ الكمالِ عن الغاية: جوازَ إسلامِ الحنطةِ في الزيت.

قلتُ: ومُفادُه: أن القَدْرَ بانفرادِه: لا يُحرِّمُ النَّساءَ، بخلافِ الجنسِ، فليُحرَّر، وقد مَرَّ في السَّلَمِ: أن حُرْمَةَ النَّساءِ تتحقَّقُ بالجنسِ وبالقدرِ الـمُتَّفِقِ، فتنبَّه.

٩

ثم فَرَّعَ على الأصلِ الأولِ بقولِه: فحَرُمَ بيعُ كيليٍّ، ووزنيٍّ بجنسِه، متفاضِلًا ولو غيرَ مَطعومٍ، خلافًا للشافعي، كجِصٍّ كيليٍّ، وحديدٍ وزنيٍّ.

ثم اختلافُ الجنسِ يُعرَفُ باختلافِ الاسمِ الخاصِّ، واختلافِ المقصودِ، كما بَسَطَه الكمالُ.

١٠

وحَلَّ بيعُ ذلك متماثِلًا، لا متفاضلًا، وبلا معيارٍ شرعيٍّ، فإنَّ الشرعَ لم يُقدِّرِ المعيارَ بالذَّرَّةِ، وبما دونَ نصفِ صاعٍ.

١١

كحَفْنةٍ بحَفْنتَيْن، وثلاثٍ، وخَمْسٍ، ما لم يَبلُغْ نصفَ صاعٍ، وتفاحةٍ بتفاحتَيْن، وفَلْسٍ بفَلْسَيْن، أو أكثرَ.

١٢

بأعيانِهما، لو أخَّرَه: لكان أَوْلى؛ لِما في النهر: إنه قَيْدٌ في الكلِّ. فلو كانا غيرَ معيَّنَيْن، أو أحدُهما: لم يَجُز، اتفاقًا.

١٣

وتمرةٍ بتمرتَيْن، وبيضةٍ ببيضتَيْن، وجَوْزةٍ بجوزتَيْن، وسيفٍ بسيفَيْن، ودَواةٍ بدَواتَيْن، وإناءٍ بأثقلَ منه، ما لم يكن من أحدِ النقدَيْن: فيَمتنعُ التفاضلُ. فتح، وإبرةٍ بإبرتَيْن.

١٤

وذَرَّةٍ من ذهبٍ وفضةٍ مما لا يَدخلُ تحتَ الوزنِ بمِثْلِهما، فجاز الفضلُ؛ لفَقْدِ القَدْرِ، وحَرُمَ النَّساءُ؛ لوجودِ الجنسِ.

حتى لو انتفى، كحَفنةِ بُرٍّ بحَفنَتَيْ شعيرٍ: فيَحِلُّ مطلَقًا؛ لعدم العلَّةِ.

وحَرَّمَ الكلَّ محمدٌ، وصُحِّحَ، كما نَقَلَه الكمالُ.

١٥

وما نَصَّ الشارعُ على كونِه كيليًّا، كبُرٍّ، وشعيرٍ، وتمرٍ، وملحٍ، أو وزنيًا، كذهبٍ، وفضةٍ: فهو كذلك، لا يتغيَّرُ أبدًا.

فلم يصحَّ بيعُ حنطةٍ بحنطةٍ وَزْنًا، كما لو باع ذهبًا بذهبٍ، أو فضةً بفضةٍ كيلًا ولو مع التساوي؛ لأن النصَّ أقوى من العُرْفِ، فلا يُترَكُ الأقوى بالأدنى.

١٦

وما لم يُنَصَّ عليه: حُمِلَ على العُرْفِ، وعن الثاني: اعتبارُ العُرْفِ مطلقًا، ورجَّحَه الكمال.

وخرَّجَ عليه سعدي أفندي: استقراضَ الدراهمِ عددًا، وبَيْعَ الدقيقِ وزنًا في زماننا، يعني بمِثْلِه.

وفي الكافي: الفتوى على عادةِ الناسِ. بحر، وأقرَّه المصنِّفُ.

١٧

والمعتبرُ تعيينُ الربويِّ في غيرِ الصرف، ومَصوغِ ذهبٍ وفضةٍ بلا شرطِ تقابُضٍ، حتى لو باع بُرًّا ببُرٍّ بعَيْنِهما، وتفرَّقا قبلَ القبضِ: جاز، خلافًا للشافعي في بيع الطعامِ.

ولو أحدُهما دينًا: فإنْ هو الثمنَ، وقَبَضَه قبلَ التفرُّقِ: جاز، وإلا: لا، لبيعِه ما ليسَ عندَه. سراج.

١٨

وجيِّدُ مالِ الربا، لا حقوقِ العبادِ، ورديئُه: سواءٌ، إلا في أربعٍ: مالِ وقفٍ، ويتيمٍ، ومريضٍ، وفي القُلْبِ الرهنِ إذا انكسر. أشباه.

١٩

باع فلوسًا بمِثْلِها، أو بدراهمَ، أو بدنانيرَ: فإنْ نَقَدَ أحدُهما: جاز، وإن تفرَّقا بلا قبضِ أحدِهما: لم يَجُز؛ لِما مَرَّ.

٢٠

كما جاز بيعُ لحمٍ بحيوانٍ، ولو من جنسِه؛ لأنه بيعُ الموزونِ بما ليس بموزونٍ، فيجوزُ كيفما كان، بشرط التعيين، أما نسيئةً: فلا.

وشَرَطَ محمدٌ زيادةَ الـمُجانِسِ.

ولو باع مذبوحةً بحيَّةٍ، أو بمذبوحةٍ: جاز، اتفاقًا.

وكذا الـمَسْلوخَتَيْن إن تساوَتا وزنًا. ابن ملك.

وأراد بالـمَسلوخة: المفصولةَ عن السَّقَطِ، ككَرِشٍ، وأمعاءٍ. بحر.

٢١

وكما جاز بيعُ كِرْباسٍ بقطنٍ، وغَزْلٍ مطلقًا كيفما كان؛ لاختلافهما جنسًا.

٢٢

كبيعِ قطنٍ بغزلِ القطن، في قولِ محمدٍ، وهو الأصح. حاوي.

وفي القنية: لا بأسَ بغَزْلِ قطنٍ بثيابِ قطنٍ، يدًا بيدٍ؛ لأنهما ليسا بموزونَيْن، ولا جنسَيْن.

٢٣

وكذلك غَزْلُ كلِّ جنسٍ بثيابِه إذا لم تُوزَن.

وكبيعِ رُطَبٍ برُطَبٍ، أو بتمرٍ مثماثلًا كيلًا، ولا وزنًا.

خلافًا للعينيِّ، في الحالِ، لا المآل، خلافًا لهما.

فلو باع مجازفةً، أو موازنةً: لم يجُز، اتفاقًا. ابن ملك.

٢٤

وعِنَبٍ بعِنَبٍ، أو بزبيبٍ متماثلًا كذلك.

وكذا كلُّ ثمرةٍ تَجِفُّ، كتِينٍ، ورمَّانٍ يُباعُ رَطْبُها برَطْبِها، وبيابسِها، كبيعِ بُرٍّ رَطْبًا، أو مَبلولًا بمِثْلِه، وباليابس.

وكذا بيعُ تمرٍ، أو زبيبٍ مُنْقوعٍ بمِثْله، أو باليابسِ منهما، خلافًا لمحمدٍ. زيلعي.

وفي العناية: كلُّ تفاوُتٍ خَلْقِيٍّ، كالرُّطَب والتمر، والجيدِ والرديءِ: فهو ساقطُ الاعتبار، وكلُّ تفاوُتٍ بصُنْعِ العبادِ، كالحنطةِ بالدقيق، والحنطةِ الـمَقْلية بغيرِها: يَفسُدُ، كما سيجيءُ.

٢٥

وكبيع لحومٍ مختلفةٍ بعضِها ببعضٍ متفاضلًا، يدًا بيد.

٢٦

ولبنِ بقرٍ وغنمٍ، وخَلِّ دَقَلٍ: بفتحتَيْن: رديءُ التمر، وخصَّه باعتبار العادة، بخَلِّ عنبٍ، وشَحْمِ بطنٍ بأَلْيَةٍ: بالفتح: ما يُسمِّيه العوامُّ: لِيَّةً.

٢٧

أو لحمٍ، وخُبْزٍ، ولو من بُرٍّ، ببُرٍّ، أو دقيقٍ، ولو منه، وزيتٍ مَطبوخٍ بغير الـمَطبوخ، ودُهْنٍ مُرَبَّىً بالـبَنَفْسَج بغيرِ الـمُرَبَّى منه، متفاضلًا، أو وزنًا كيف كان؛ لاختلافِ أجناسِها.

فلو اتَّحَدَ: لم يجُزْ متفاضلًا، إلا في لحمِ الطيرِ؛ لأنه لا يوزَنُ عادةً، حتى لو وُزِنَ: لم يَجُزْ. زيلعي.

وفي الفتح: لحمُ الدجاجِ، والإوَزِّ: وزنيٌّ في عادةِ مصر.

وفي النهر: لعلَّه في زمنِه، أما في زماننا: فلا.

والحاصلُ: أنَّ الاختلافَ باختلافِ الأصلِ، أو المقصودِ، أو بتبدُّلِ الصفةِ، فليُحفَظْ.

وجاز الأخيرُ ولو الخبزُ نسيئةً. به يُفتى. درر، إذا أُتِيَ بشرائطِ السَّلَم؛ لحاجةِ الناس، والأحوطُ: المنعُ، إذْ قَلَّما يُقبَضُ من جنسِ ما سمِّيَ.

وفي القهستاني معزيًّا للخزانة: الأحسنُ أن يبيعَ خاتَمًا مثلًا من الخَبَّازِ بقَدْرِ ما يُريدُ من الخُبزِ، ويَجعلَ الخُبزَ الموصوفَ بصفةٍ معلومةٍ ثمنًا، حتى يصيرَ دينًا في ذمةِ الخَبَّازِ، ويُسلِّمَ الخاتمَ، ثم يشتري الخاتمَ بالبُرِّ.

وفيه معزيًّا للمضمرات: يجوزُ السَّلَمُ في الخُبزِ وزنًا، وكذا عددًا، وعليه الفتوى، وسيجيءُ جوازُ استقراضِه أيضًا.

٢٨

وجاز بيعُ اللبنِ بالجُبْنِ؛ لاختلاف المقاصدِ والاسمِ. حاوي.

٢٩

لا يجوزُ بيعُ البُرِّ بدقيقٍ، أو سَويقٍ، هو الـمَجْروشُ، ولا بيعُ دقيقٍ بسَويقٍ مطلقًا، ولو متساويًا؛ لعدم الـمُسَوِّي، فيَحرُمُ لشُبْهةِ الربا، خلافًا لهما.

وأما بيعُ الدقيقِ بالدقيقِ متساويًا كيلًا، إذا كانا مَكْبوسَيْن: فجائزٌ، اتفاقًا. ابن ملك، كبيعِ سَويقٍ بسَويقٍ، وحِنطةٍ مَقْليةٍ بمَقْليةٍ، وأما الـمَقْليةُ بغيرِها: ففاسدٌ، كما مَرَّ.

٣٠

ولا الزيتونِ بزيتٍ، والسِّمْسِمِ بحِلٍّ؛ بمهملةٍ: الشَّيْرَجُ، حتى يكونَ الزيتُ والحَلُّ أكثرَ مما في الزيتون والسِّمْسِم؛ ليكونَ قَدْرُه بمثِلِه، والزائدُ بالثُّفْلِ.

وكذا كلُّ ما لثُفْلِه قيمةٌ، كجَوْزٍ بدُهْنِه، ولبنٍ بسَمْنِه، وعنبٍ بعصيره.

فإنْ لا قيمةَ له، كبيع ترابِ ذهبٍ بذهبٍ: فَسَدَ بالزيادة؛ لربا الفضل.

٣١

ويُستقرَضُ الخبزُ وزنًا، وعددًا عندَ محمدٍ، وعليه الفتوى. ابن ملك، واستحسَنَه الكمالُ، واختارَه المصنِّفُ؛ تيسيرًا.

وفي المجتبى: باع رَغِيفًا نقدًا برغيفَيْن نسيئةً: جاز، وبعكسِه: لا.

وجاز بيعُ كُسَيْراته كيفَ كان.

٣٢

ولا ربًا بين سيِّدٍ وعبدِه، ولو مدبَّرًا، لا مكاتبًا، إذا لم يكن دينُه مُستغرِقًا لرقبتِه، وكَسْبِه، فلو مستغرِقًا: يتحقَّقُ الربا، اتفاقًا. ابن ملك، وغيره.

لكن في البحر عن المعراج: التحقيقُ: الإطلاقُ، وإنما يَرُدُّ الزائدَ لا للربا، بل لتعلُّقِ حقِّ الغرماء.

٣٣

ولا ربًا بين متفاوِضَيْن، وشريكَيْ عِنانٍ إذا تبايعا من مالِها، أي مالِ الشركة. زيلعي.

٣٤

ولا بين حربيٍّ، ومسلمٍ مستأمِنٍ، ولو بعقدٍ فاسدٍ، أو قِمارٍ، ثمَّةَ؛ لأن مالَه ثمَّةَ مباحٌ، فيَحِلُّ برِضاه مطلَقًا، بلا غَدْرٍ؛ خلافًا للثاني، والثلاثة.

٣٥

و حُكْمُ مَن أسلَمَ في دارِ الحرب، ولم يُهاجِرْ: كحربيٍّ، فللمسلم الربا معه، خلافًا لهما؛ لأن مالَه غيرُ معصوم.

فلو هاجَرَ إلينا، ثم عاد إليهم: فلا ربًا، اتفاقًا. جوهرة.

قلتُ: ومنه يُعلَمُ حُكْمُ مَن أسلما ثمَّةَ، ولم يُهاجِرَا.

والحاصلُ: أنَّ الربا حرامٌ، إلا في هذه المسائلِ الستّ.

باب الحقوق في الـمَبيع

أخَّرَها لتبعيَّتِها، ولتبعيَّتِه ترتيبَ الجامع الصغير.

١

اشترى بيتًا فوقَه آخَرُ: لا يَدخلُ فيه العَُِلْوُ: مُثلَّثُ العَيْنِ، ولو قال: بكلِّ حَقٍّ هو له، أو: بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ، ما لم يَنُصَّ عليه؛ لأن الشيءَ لا يَستَتْبِعُ مثلَه.

٢

وكذا لا يَدخلُ العُلْوُ بشراءِ منزلٍ، هو: ما لا إصطبلَ فيه، إلا: بكلِّ حقٍّ هو له، أو: بمَرافِقِه، أي حقوقِه، كطريقٍ، ونحوِه.

وعندَ الثاني: المرافقُ: المنافعُ. أشباه.

٣

أو: بكلِّ قليلٍ أو كثيرٍ، هو فيه أو منه.

ويدخلُ العلوُ بشراءِ دارٍ وإن لم يَذكر شيئًا، ولو الأبنيةُ بترابٍ، أو بخِيامٍ، أو قِبابٍ.

وهذا التفصيلُ عُرْفُ الكوفةِ، وفي عُرْفِنا: يَدخلُ العلوُ بلا ذِكْرٍ في الصُّوُرِ كلِّها. فتح، وكافي، سواءٌ كان الـمَبيعُ بيتًا فوقَه علوٌ، أو غيرُه، إلا دارَ الـمَلِكِ، فتسمَّى: سراي. نهر.

٤

كـــ ما يدخلُ في شراءِ الدارِ: الكَنِيفُ، وبئرُ الماءِ، والأشجارُ التي في صَحْنِها.

و كذا البستانُ الداخلُ وإن لم يُصرِّحْ بذلك.

٥

لا البستانُ الخارجُ، إلا إذا كان أصغرَ منها: فيَدخلُ تبعًا.

ولو مثلَها، أو أكبرَ: فلا، إلا بالشرط. زيلعي، وعيني.

٦

والظُّلَّةُ لا تَدخلُ في بيعِ الدارِ؛ لبنائها على الطريقِ، فأَخَذَتْ حُكْمَه، إلا: بكلِّ حقٍّ، ونحوِه، مما مَرَّ.

وقالا: إنْ مَفْتَحُها في الدارِ: تَدخلُ، كالعلو.

٧

ويدخلُ البابُ الأعظمُ في بيعِ بيتٍ، أو دارٍ، مع ذِكْرِ الـمَرَافق؛ لأنه من مِرافقها. خانية.

٨

لا يدخلُ الطريقُ، والـمَسِيلُ، والشِّرْبُ، إلا بنحو: كلِّ حقٍّ، ونحوِه، مما مَرَّ.

٩

بخلافِ الإجارةِ لدارٍ أو أرضٍ: فتدخلُ بلا ذِكْرٍ؛ لأنها تُعقدُ للانتفاع، لا غيرَ، والرهنِ، والوقفِ. خلاصة.

١٠

ولو أقرَّ بدارٍ، أو صالَحَ عليها، أو أوصى بها، ولم يذكُرْ حقوقَها، ومَرَافِقَها: لا يدخلُ الطريقُ، كالبيع.

ولا يَدخلُ في القسمةِ وإن ذَكَرَ الحقوقَ، والمرافقَ، إلا برضًا صريحٍ. نهر، عن الفتح.

وفي الحواشي اليعقوبية: ينبغي أن يكونَ الرهنُ: كالبيع، إذ لا يُقصَدُ به الانتفاعُ.

قلتُ: هو جيدٌ، لولا مخالفتُه للمنقول، كما مَرَّ.

ولفظُ الخلاصة: ويدخلُ الطريقُ في الرهنِ، والصدقةِ الموقوفةِ، كالإجارة، واعتمَدَه المصنِّفُ تَبَعًا. للبحر.

نعم ينبغي أن تكونَ الهبةُ، والنكاحُ، والخلعُ، والعتقُ على مالٍ: كالبيع، والوجهُ فيها لا يَخفى. اهـ

باب الاستَحْقاق

هو: طلبُ الحَقِّ.

١

الاستحقاقُ نوعان: أحدُهما: مُبْطِلٌ للمِلْكِ بالكليةِ، كالعِتْقِ، والحريةِ الأصليةِ، ونحوِه، كتدبيرٍ، وكتابةٍ.

٢

وثانيهما: ناقِلٌ له من شخصٍ إلى آخَرَ، كالاستحقاقِ به، أي بالـمِلك، بأن ادَّعى زيدٌ على بَكْرٍ أنَّ ما في يدِه من العبدِ ملكٌ له، وبَرْهَنَ.

٣

فالناقِلُ لا يُوجِبُ فَسْخَ العقدِ، على الظاهرِ؛ لأنه لا يوجِبُ بُطلانَ الملك.

٤

والحُكْمُ به: حُكْمٌ على ذي اليدِ، وعلى مَن تَلَقَّى ذو اليدِ الـمِلكَ منه، ولو مورِّثَه، فيتعدَّى إلى بقيةِ الورثةِ. أشباه.

٥

فلا تُسمَعُ دعوى الـمِلكِ منهم للحُكْم عليهم، بل دعوى النِّتاجِ.

ولا يَرجعُ أحدٌ من المشترِينَ على بائِعه، ما لم يُرجَعْ عليه.

ولا على الكفيلِ، ما لم يُقْضَ على المكفولِ عنه؛ لئلا يجتمعَ ثَمَنان في مِلْكٍ واحدٍ؛ لأن بدلَ المستَحَقِّ مملوكٌ.

ولو صالَحَ بشيءٍ قليلٍ، أو أبرأ عن ثمنِه بعدَ الحُكْمِ له برجوعٍ عليه: فلبائعِه أن يَرجعَ على بائعِه أيضًا؛ لزوالِ البدلِ عن مِلْكِه.

ولو حُكِمَ للمستَحِقِّ، فصالَحَ المشتريَ: لم يَرجِعْ؛ لأنه بالصلحِ أبطَلَ حقَّ الرجوعِ، وتمامُه في جامع الفصولين.

٦

والـمُبْطِلُ يُوجِبُه، أي يوجِبُ فَسْخَ العقودِ، اتفاقًا.

٧

ولكلِّ واحدٍ من الباعةِ الرجوعُ على بائعِه وإن لم يُرجَعْ عليه.

ويَرجِعُ هو أيضًا كذلك على الكفيلِ ولو قبلَ القضاءِ عليه؛ لعدم اجتماعِ الثمنَيْن، إذ بَدَلُ الحرِّ لا يُملَكُ.

٨

والحُكْمُ بالحريةِ الأصليةِ: حُكْمٌ على الكافَّةِ من الناس، سواءٌ كان ببينةٍ، أو بقولِه: أنا حُرٌّ، إذا لم يَسبِقْ منه إقرارٌ بالرِّقِّ. أشباه.

٩

فلا تُسمَعُ دعوى الملكِ من أحدٍ.

وكذا العتقُ، وفروعُه: بمنزلةِ حريةِ الأصل.

١٠

وأما الحُكْمُ بالعتقِ في الـمِلْكِ المؤرَّخِ: فــــ على الكافَّةِ من وقتِ التاريخِ، ولا يكونُ قضاءً قبلَه، كما بَسَطَه منلا خسرو، ويعقوبُ باشا، فاحفَظْه، فإنَّ أكثرَ الكُتُبِ عنه خاليةٌ.

١١

و اختلفوا في القضاءِ بالوقف: قيل: كالحريةِ، وقيل: لا، فتُسمَعُ فيه دعوى مِلْكٍ آخَرَ، ووَقْفٍ آخَرَ، وهو المختارُ، وصحَّحَه العماديُّ.

وفي الأشباه: القضاءُ يَتعدَّى في أربعٍ: حريةٍ، ونسبٍ، ونكاحٍ، ووَلاءٍ، وفي الوقفِ: يَقتصِرُ، على الأصح.

١٢

ويَثبتُ رجوعُ المشتري على بائعِه بالثمنِ إذا كان الاستحقاقُ بالبينةِ؛ لِما سيجيءُ أنها حُجَّةٌ متعدِّيةٌ.

١٣

أما إذا كان الاستحقاقُ بإقرارِ المشتري، أو بنُكُولِه، أو بإقرارِ وكيلِ المشتري بالخصومةِ، أو بنُكُولِه: فلا رجوعَ؛ لأنه حُجَّةٌ قاصرةٌ.

١٤

والأصلُ: أنَّ البيِّنةَ حُجَّةٌ متعدِّيةٌ، تظهَرُ في حَقِّ كافَّةِ الناسِ، لكنْ لا في كلِّ شيءٍ، كما هو ظاهرُ كلامِ الزيلعيّ، والعينيّ، بل في عِتْقٍ، ونحوِه، كما مَرَّ، ذَكَرَه المصنِّف.

١٥

لا الإقرارُ، بل هو حُجَّةٌ قاصرةٌ على الـمُقِرّ؛ لعدمِ ولايتِه على غيرِه.

بقيَ لو اجتمعا: فإن ثَبَتَ الحَقُّ بهما: قُضِيَ بالإقرارِ، إلا عندَ الحاجةِ: فبالبينةِ أَوْلى. فتح، ونهر.

١٦

فلو استُحِقَّتْ مَبيعةٌ وَلَدَتْ عندَ المشتري، لا باستيلادِه، ببيِّنةٍ: يَتْبَعُها ولدُها بشَرْطِ القضاءِ به، أي بالولدِ، في الأصح. زيلعي.

وكلامُ البزازيِّ يُفيدُ تقييدَه بما إذا سَكَتَ الشهودُ.

فلو بيَّنا أنه لذي اليدِ، أو قالوا: لا ندري: لا يُقضى به. نهر.

ثم استيلادُه لا يَمنعُ استحقاقَ الولدِ بالبينة، فيكونُ ولدَ الـمَغرورِ حرًا القيمة لـمُستَحِقِّه، كما مَرَّ في بابِ دعوى النسب.

١٧

وإن أقرَّ ذو اليدِ بها لرجلٍ: لا يَتْبعُها، فيأخذُها وحدَها.

والفرقُ: ما مَرَّ من الأصل.

وهذا إذا لم يَدّعِه الـمُقَرُّ له، فلو ادَّعاه: يَتْبَعُها، وكذا سائرُ الزوائد.

نعم، لا ضمانَ بهلاكِها، كزوائدِ المغصوب.

ولم يَذكُرِ الـنُّكولَ؛ لأنه في حُكْمِ الإقرار. قهستاني معزيًّا للعمادية.

١٨

ومَنَعَ التناقضُ، أي التدافعُ في الكلامِ دعوى الـمِلْكِ لعَيْنٍ، أو منفعةٍ؛ لِما في الصغرى: طَلَبُ نكاحِ الأمةِ: يَمنعُ دعوى تملُّكِها، وكما يَمنعُها لنفسِه: يَمنَعُها لغيرِه، إلا إذا وَفَّقَ.

وهل يكفي إمكانُ التوفيق؟ خلافٌ، سنُحقِّقُه في متفرِّقات القضاء.

وفروعُ هذا الأصلِ كثيرةٌ، ستجيءُ في كتاب الدعوى، ومنها:

ادَّعى على آخَرَ أنه أخوه، وادَّعى عليه النفقةَ، فقال المدَّعى عليه: ليس هو بأخي، ثم مات المدعي عن تركةٍ، فجاء المدَّعى عليه يطلبُ ميراثَه: إن قال: هو أخي: لم يُقبَلْ؛ للتناقضِ، وإن قال: أبي، أو: ابني: قُبِلَ.

١٩

والأصلُ: أنَّ التناقض لا يَمنعُ دعوى ما يَخفَى سببُه، كــ النسبِ، والطلاقِ.

و كذا الحريةُ، فلو قال عبدٌ لمشترٍ: اشتَرِني، فأنا عبدٌ لزيدٍ، فاشتراه معتمِدًا على مَقالتِه، فإذا هو حرٌّ، أي ظَهَرَ أنه حرٌّ: فإنْ كان البائعُ حاضرًا، أو غائبًا غَيْبةً معروفةً يُعرَفُ مكانُه: فلا شيءَ على العبدِ؛ لوجودِ القابض، وإلا: رَجَعَ المشتري على العبدِ بالثمن، خلافًا للثاني.

ولو قال: اشتَرِني فقط، أو: أنا عبدٌ فقط: لا رجوعَ عليه، اتفاقًا. درر.

٢٠

و رَجَعَ العبدُ على البائع إذا ظَفِرَ به.

٢١

بخلافِ الرهنِ، بأن قال: ارتَهِنِّي، فإني عبدٌ: لم يَضمَنْ أصلًا.

والأصلُ: أنَّ التغريرَ يوجِبُ الضمانَ في ضِمْنِ عقدِ المعاوضةِ، لا الوثيقةِ.

٢٢

باع عقارًا، ثم بَرْهَنَ أنه وَقْفٌ محكومٌ بلُزُومِه: قُبِلَ، وإلا: لا؛ لأنَّ مجرَّدَ الوقفِ لا يُزيلُ الملكَ، بخلافِ الإعتلاقِ. فتح.

واعتَمَدَه المصنِّفُ تَبَعًا للبحر، على خلافِ ما صوَّبَه الزيلعيُّ، وتقدَّمَ في الوقفِ، وسيجيءُ في آخِرِ الكتاب.

٢٣

اشترى شيئًا، ولم يَقبِضْه حتى ادَّعاه آخَرُ أنه لو: لا تُسمَعُ دعواه بدون حضورِ البائعِ، والمشتري للقضاء عليهما.

ولو قُضِيَ له بحضرتهما، ثم بَرْهَنَ أحدُهما على أنَّ المستَحِقَّ باعه من البائع، ثم هو باعه من المشتري: قُبِلَ، ولزم البيعُ، وتمامُه في الفتح.

٢٤

لا عبرةَ بتاريخ الغَيْبةِ، بل العبرةُ لتاريخ الـمِلكِ.

٢٥

فلو قال الـمُستَحِقُّ عندَ الدعوى: غابَتْ عني هذه الدابةُ منذُ سَنَةً، فقَبْلَ القضاءِ بها للمستَحِقِّ: أخبر المستَحَقُّ عليه البائعَ عن القصةِ، فقال البائعُ: لي بينةٌ أنها كانت مِلْكًا لي منذُ سنتَيْن مثلًا، وبَرْهَنَ على ذلك: لا تندفِعُ الخصومةُ، بل يُقضَى بها للمستَحِقِّ؛ لبقاءِ دعواه في مِلكٍ مطلَقٍ، خالٍ عن تاريخٍ من الطرفَيْن.

٢٦

العلمُ بكونه مِلْكَ الغير: لا يَمنعُ من الرجوع على البائعِ عندَ الاستحقاق.

فلو استولَدَ مُشتراةً يَعلَمُ غَصْبَ البائعِ إياها: كان الولدُ رقيقًا؛ لانعدام الغرور، ويَرجعُ بالثمن وإن أقَرَّ بملكيةِ المبيع للمستَحِقِّ. درر.

وفي القنية: لو أقرَّ بالملكِ للبائع، ثم استُحِقَّ من يدِه، ورَجَعَ: لم يبطُلْ إقرارُه.

فلو وَصَلَ إليه بسببٍ ما: أُمِرَ بتسليمه إليه، بخلافِ ما إذا لم يُقِرَّ؛ لأنه محتمِلٌ، بخلافِ النصِّ.

٢٧

لا يَحكُمُ القاضي بسِجِلِّ الاستحقاقِ بشهادةِ أنه كتابُ قاضي كذا؛ لأن الخَطَّ يُشبِهُ الخَطَّ، فلم يَجُزِ الاعتمادُ على نفسِ السِّجِلِّ، بل لا بدَّ من الشهادةِ على مضمونِه؛ ليقضِيَ للمستَحَقِّ عليه بالرجوع بالثمن.

٢٨

كذا الحكمُ في ما سوى نَقْلِ الشهادةِ، والوكالةِ من مَحاضِرَ، وسِجِلَّاتٍ، وصُكوكٍ؛ لأنَّ المقصودَ بكلٍّ منها إلزامُ الخصمِ.

بخلافِ نَقْلِ وكالةٍ، وشهادةٍ؛ لأنهما لتحصيل العلمِ للقاضي، ولذا لَزِمَ إسلامُهم، ولو الخصمُ كافرًا.

٢٩

ولا رجوعَ في دعوى حقٍّ مجهولٍ من دارٍ صولِحَ على شيءٍ معيَّنٍ، واستُحِقَّ بعضُها؛ لجوازِ دعواه فيما بقِيَ.

٣٠

ولو استُحِقَّ كلُّها: رَدَّ كلَّ العوضِ؛ لدخولِ المدَّعَى في المستَحَقِّ.

٣١

واستُفيدَ منه، أي من جوابِ المسألةِ أمران:

٣٢

أحدُهما: صحةُ الصلحِ عن مجهولٍ على معلومٍ؛ لأن جهالةَ الساقطِ لا تُفضي إلى المنازعة.

٣٣

والثاني: عدمُ اشتراطِ صحةِ الدعوى لصحته؛ لجهالةِ المدَّعى به، حتى لو بَرْهَنَ: لم يُقبَلْ، ما لم يَدَّعِ إقرارَه به.

ورَجَعَ المدَّعى عليه بحصَّتِه في دعوى كلِّها إن استُحِقَّ شيءٌ منها؛ لفواتِ سلامةِ المبدَلِ.

قَيَّدَ بالمجهول: لأنه لو ادَّعى قَدْرًا معلومًا، كرُبُعِها: لم يرجعْ ما دام في يدِه ذلك المقدارُ، وإن بقِيَ أقلَّ: رَجَعَ بحسابِ ما استُحِقَّ منه.

فرعٌ: لو صالَحَ من الدنانيرِ على دراهمَ، وقَبَضَ الدراهمَ، فاستُحِقَّتْ بعدَ التفرُّقِ: رَجَعَ بالدنانير؛ لأن هذا الصلحَ في معنى الصرفِ، فإذا استُحِقَّ البدلُ: بَطَلَ الصلحُ، فوَجَبَ الرجوع. درر، وفيها فروعٌ أُخَرُ، فلتُنْظَر.

وفي المنظومةِ الـمُحِبِّيَّة فروعٌ مُهمَّةٌ، منها:

لــو مُـسْـتَـحَـقًّــا ظَـهَـرَ الــمَــبــــيـــــعُ لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عـــلــى بـــــائــــعِــــه الــرجــوعُ

بالــــــثــــــمــــــنِ الـــذي لـه قد دَفَعَا إلا إذا الــــــبـــــائــــعُ هـــــــا هـــــنـــــــا ادَّعـــى

بـــــــأنـــــه كــــان قـــديـمًا اشـــــتــــرى ذلـــــــــك مِــــــــن ذا الــمــشــتــري بلا مِرَا

لو اشـــتـــرى خَــــرابـــةً وأنـــــفَــــقَــــــا شـــيـــئًــا عـــلــى تــــعـــمـــيــــرِهـــا وطَــــفِـــقَـــــا

ذاكَ يُـسَــوِّي بـعـدَها آكـــامَــهــا ثـــــــــــم اســـــتَـــــحَــــــــقَّ رجـــــــــــلٌ تـــمـــامَــهـا

فالمشتري في ذاكَ ليسَ راجِعًا عـــــلــــى الـــــذي غــــــدا لـــــتــلــكَ بـــائـعًـا

ولا على ذا الـمُستَحِقِّ مطلقًابــــــــذا الــــــذي كــــــــان عـــلـــيــها أنــفَــقَــا

وإن مَـــبـــيـــعٌ مُــســتَــحَـــقًّــا ظَهَرا ثم قضى القاضي على مَن اشترى

بــــــــــــــــــــه فـــصالَــــحَ الذي ادَّعاه صُـــلْــحًــا عـلـى شــيءٍ لــــــــــــــــــــــــه أدَّاه

يَـــــرجِــــعُ فـي ذاكَ بـكـلِّ الثمَنِ عـــــلـــى الــــذي قـــــد بـــاعــــه فـاسـتَبِنِ

وفي المنية: شرى دارًا، وبنى فيها، فاستُحِقَّتْ: رَجَعَ بالثمنِ، وقيمةِ البناء مَبنيًا، على البائعِ إذا سلَّمَ الـنِّقْضَ إليه يومَ تسليمه.

وإن لم يُسلِّمْ: فبالثمنِ، لا غيرَ، كما لو استُحِقَّتْ بجميعِ بنائها؛ لِما تقرَّرَ أنَّ الاستحقاقَ متى وَرَدَ على مِلكِ المشتري: لا يوجِبُ الرجوعَ على البائعِ بقيمةِ البناء مثلًا.

ولو حَفَرَ بئرًا، أو نَقَّى البالوعةَ، أو رَمَّ من الدار شيئًا، ثم استُحِقَّت: لم يَرجِعْ بشيءٍ على البائع؛ لأن الحكمَ يوجِبُ الرجوعَ بالقيمةِ، لا بالنفقةِ، كما في مسألةِ الخَرَابةِ.

حتى لو كَتَبَ في الصكِّ: فما أنفق المشتري فيها من نفقةٍ، أو رَمَّ فيها من مَرَمَّةٍ: فعلى البائع: يَفسدُ البيعُ.

ولو حَفَرَ بئرًا، وطواها: يَرجعُ بقيمةِ الطّيِّ، لا بقيمةِ الحفر، فلو شَرَطاه: فَسَدَ.

وكذا لو حَفَرَ ساقيةً، إن قَنْطَرَ عليها: رجعَ بقيمةِ بناءِ القنطرةِ، لا بنفقةِ حَفْرِ الساقية.

وبالجملة: فإنما يَرجعُ إذا بنى فيها، أو غَرَسَ بقيمةِ ما يُمكِنُ نَقْضُه، وتسليمُه إلى البائع، فلا يَرجعُ بقيمة جِصٍّ، وطينٍ، وتمامُه في الفصل الخامسَ عشر، من الفصولين.

وفيه: شرى كَرْمًا، فاستُحِقَّ نصفُه: له رَدُّ الباقي إن لم يتغيَّرْ في يدِه، ولم يأكلْ من ثمرِه.

ولو شَرَى أرضَيْنِ، فاستُحِقَّت إحداهما: إن قَبْلَ القبضِ: خُيِّرَ المشتري، وإن بعدَه: لَزِمَه غيرُ الـمُستَحَقِّ بحصته من الثمن، بلا خيارٍ.

ولو استُحِقَّ العبد أو البقرة لم يرجع بما أنفق.

ولو استُحِقَّ ثيابُ القِنِّ، أو بَرْذَعةُ الحمارِ: لم يَرجع بشيءٍ.

وكلُّ شيءٍ يَدخلُ في البيع تَبَعًا: لا حصةَ له من الثمن، ولكن يُخيَّرُ المشتري فيه. قنية.

ولو استُحِقَّ من يدِ المشتري الأخيرِ: كان قضاءً على جميعِ الباعَةِ، ولكلٍّ أن يَرجِعَ على بائعِه بالثمن، بلا إعادةِ بينةٍ، لكن لا يَرجعُ قبلَ أن يرجعَ عليه المشتري، عندَ أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: له أن يرجعَ.

قال: ألا ترى أن المشتريَ الثانيَ لو أبرأ الأولَ من الثمن: كان للأول الرجوعُ، كما لو وُجِدَ العبدُ حرًا: فلكلٍّ الرجوعُ قبلَه. خانية.

لكن في الفصولين ما يُخالِفُه، فتنبَّه.

ولو اشترى عبدًا، فأعتَقَه بمالٍ أَخَذَه منه، ثم استُحِقَّ العبدُ: لم يَرجعِ المستَحِقُّ بالمالِ على المعتِقِ.

ولو شرى دارًا بعبدٍ، وأُخِذَتْ بالشفعةِ، ثم استُحِقَّ العبدُ: بَطَلَتِ الشفعةُ، ويأخذُ البائعُ الدارَ من الشفيع؛ لبطلانِ البيع، والله تعالى أعلم.

باب السَّلَم
١

هو لغةً: كالسَّلَف، وَزْنًا، ومعنىً.

٢

وشرعًا: بيعُ آجِلٍ، وهو المسلَم فيه، بعاجِلٍ، وهو رأسُ المال.

٣

ورُكْنُه: رُكْنُ البيع، حتى يَنعقِدُ بلفظ: بيع، في الأصح.

٤

ويُسمَّى صاحبُ الدراهم: ربَّ السَّلَم، والـمُسْلِمَ: بكَسْرِ اللام.

٥

ويُسمَّى الآخَرُ: الـمُسلَمَ إليه.

والحِنطةُ مثلًا: المسلَمَ فيه، والثمنُ: رأسَ المال.

٦

وحُكْمُه: ثبوتُ الـمِلْكِ للمسلَمِ إليه، ولرَبِّ السَّلَمِ: في الثمنِ، والـمُسْلَمِ فيه، فيه: لَفٌّ ونَشْرٌ مرتَّبٌ.

٧

ويصحُّ فيما أمكَنَ ضَبْطُ صفتِه، كجَوْدتِه، ورَداءَتِه، ومعرفةِ قَدْرِه، كمَكيلٍ، ومَوزونٍ.

٨

وخَرَجَ بقوله: مُثْمَنٍ: الدراهمُ، والدنانيرُ؛ لأنها أثمانٌ، فلم يَجُزْ فيها السَّلمُ، خلافًا لمالك.

٩

وعدديٍّ مُتَقارِبٍ، كجَوْزٍ، وبيضٍ، وفَلْسٍ، وكُمَّثْرى، ومَِشمَِشٍ، وتينٍ، ولَبِنٍ: بكسر الباء، وآجُرٍّ بمِلْبَنٍ معيَّنٍ، بُيِّنَ صفتُه، ومكانُ ضَرْبِه. خلاصة.

١٠

وذَرْعيٍّ، كثوبٍ، بُيِّنَ قَدْرُه طُولًا، وعَرْضًا.

١١

وصفتُه، كقُطنٍ، وكَتَّانٍ، ومُركَّبٍ منهما.

١٢

وصنعتُه، كعملِ الشامِ، أو مصرَ، أو زيدٍ، أو عَمرٍو.

١٣

ورِقَّتُه، أو غِلَظُه.

١٤

ووَزْنُه إن بيعَ به، فإنَّ الدِّيباجَ كلَّما ثَقُلَ وزنُه: زادت قيمتُه، والحريرُ كلَّما خَفَّ وزنُه: زادت قيمتُه، فلا بدَّ من بيانِه، مع الذَّرعْ.

١٥

لا يصحُّ في عدديٍّ متفاوِتٍ، هو ما تتفاوَتُ ماليَّتُه، كبِطِّيخٍ، وقَرْعٍ، ودُرٍّ، ورُمَّانٍ، فلم يَجُزْ عددًا بلا مميِّزٍ.

وما جاز عَدًّا: جاز كيلًا، ووزنًا. نهر.

١٦

ويصحُّ في سَمَكٍ مَليحٍ، ومالحٌ: لغةٌ رديئةٌ.

١٧

وفي طريٍّ حين يوجدُ وزنًا، وضَرْبًا، أي نوعًا: قَيْدٌ لهما.

١٨

لا عددًا؛ للتفاوت، ولو صغارًا: جاز وزنًا، وكَيْلًا.

وفي الكبار: روايتان. مجتبى.

١٩

لا في حيوانٍ ما، خلافًا للشافعيِّ.

٢٠

وأطرافِه، كرؤوسٍ، وأكارِعَ، خلافًا لمالك.

وجاز وَزْنًا، في روايةٍ.

٢١

ولا في حَطَبٍ: بالحُزَم، ورَطْبَةٍ: بالجُرَزِ، إلا إذا ضُبِطَ بما لا يؤدِّي إلى نزاعٍ، وجاز وزنًا. فتح.

٢٢

وجَوْهَرٍ، وخَرَزٍ، إلا صغارَ لؤلؤٍ: تُباعُ وزنًا؛ لأنه إنما يُعلَمُ به.

٢٣

ومُنقَطِعٍ لا يوجدُ في الأسواقِ من وقتِ العقدِ إلى وقتِ الاستحقاقِ.

ولو انقطَعَ في إقليمٍ، دونَ آخَرَ: لم يَجُزْ في المنقَطِعِ.

ولو انقَطَعَ بعدَ الاستحقاقِ: خُيِّرَ ربُّ السَّلَمِ بين انتظارِ وجودِه، والفسخِ، وأَخْذِ رأسِ مالِه.

٢٤

ولَحْمٍ، ولو مَنزوعَ عَظْمٍ، وجوَّزاه إذا بُيِّنَ وَصْفُه، وموضعُه؛ لأنه موزونٌ، معلومٌ، وبه قالتِ الأئمةُ الثلاثة، وعليه الفتوى. بحر، وشرح مجمع.

لكنْ في القهستاني: أنه يَصِحُّ في الـمَنزوعِ، بلا خلافٍ، إنما الخلافُ في غيرِ المنزوعِ، فتنبَّه، لكن صرَّحَ غيرُه بالروايتَيْن، فتدبَّرْ.

ولو حُكِمَ بجوازِه: صحَّ، اتفاقًا. بزازية.

وفي العيني: أنه قيميٌّ: عندَه، مِثليٌّ: عندهما.

٢٥

ولا بمكيالٍ، وذراعٍ مجهولٍ. قَيْدٌ فيهما.

وجوَّزَه الثاني في الماءِ قِرَبًا؛ للتعامُل. فتح.

٢٦

وبُرِّ قريةٍ بعَيْنها، وثَمَرِ نَخْلةٍ معيَّنةٍ، إلا إذا كانتِ النسبةُ لثمرةٍ، أو نخلةٍ، أو قريةٍ؛ لبيانِ الصفةِ، لا لتعيينِ الخارج، كقمحِ مَرْجِيٍّ، أو بلديٍّ بديارِنا، فالمانعُ والـمُقتَضِي: العُرْفُ. فتح.

٢٧

ولا في حنطةٍ حديثةٍ قبلَ حدوثِها؛ لأنها منقطعةٌ في الحالِ، وكونُها موجودةً وقتَ العقدِ إلى وقتِ الـمَحِلِّ: شَرْطٌ. فتح.

وفي الجوهرة: أسلم في حنطةٍ جديدةٍ، أو في ذُرَةٍ حديثةٍ: لم يجُزْ؛ لأنه لا يَدري أيكونُ في تلك السَّنَةِ شيءٌ، أم لا؟

قلتُ: وعليه فما يُكتَبُ في وثيقةِ السَّلَم من قولِه: جديدُ عامِه: مفسِدٌ له، أي قبلَ وجودِ الجديدِ، أما بعدَه: فيصحُّ، كما لا يَخفى.

٢٨

وشَرْطُه، أي شروطُ صحتِه التي تُذكَرُ في العقدِ سَبْعةٌ:

٢٩

بيانُ جِنْسٍ، كبُرٍّ، أو تَمْرٍ.

٣٠

وبيانُ نوعٍ، كمَسْقِيٍّ، أو بَعْلِيٍّ.

٣١

وصفةٍ، كجيِّد، أو رديءٍ.

٣٢

وقَدْرٍ، كـــ: كذا كيلًا، لا يَنقبضُ، ولا يَنبَسِطُ.

٣٣

وأَجَلٍ، وأقلُّه في السَّلَمِ: شهرٌ. به يُفتَى.

وفي الحاوي: لا بأسَ بالسَّلَمِ في نوعٍ واحدٍ، على أن يكونَ حلولُ بعضِه في وقتٍ، وبعضِه في وقتٍ آخَرَ.

٣٤

ويَبطلُ الأجلُ بموتِ المسلَمِ إليه، لا بموتِ ربِّ السلمِ، فيُؤخَذُ المسلَمُ فيه من تَرِكَتِه حالًا؛ لبطلانِ الأجلِ بموتِ المديونِ، لا الدائنِ، ولذا شُرِطَ دوامُ وجودِه؛ لتدومَ القدرةُ على تسليمِه بموتِه.

٣٥

وبيانُ قَدْرِ رأسِ المالِ إن تعلَّقَ العقدُ بمقدارِه، كما في مكيلٍ، وموزونٍ، وعدديٍّ غيرِ متفاوِتٍ.

واكتَفَيا بالإشارةِ، كما في مَذْروعٍ، وحيوانٍ.

قلنا: ربما لا يَقدِرُ على تحصيلِ المسلَمِ فيه، فيَحتاجُ إلى رَدِّ رأسِ المال. ابن كمال.

وقد يَنفُقُ بعضُه، ثم يجدُ باقِيَه مَعيبًا، فيَرُدُّه، ولا يستبدِلُه ربُّ السلمِ في مجلسِ الردِّ، فيَنفَسِخُ العقدُ في الـمَردودِ، ويبقى في غيرِه، فتلزمُ جهالةُ المسلَمِ فيه فيما بقِيَ. ابن ملك، فوَجَبَ بيانُه.

٣٦

والسابعُ: بيانُ مكانِ الإيفاءِ للمسلَمِ فيه، فيما له حَمْلٌ، ومؤنةٌ.

ومثلُه: الثمنُ، والأجرةُ، والقسمةُ.

وعيَّنَا مكانَ العقدِ، وبه قالت الثلاثةُ، كبيعٍ وقرضٍ وإتلافٍ وغصبٍ.

قلنا: هذه واجبةُ التسليمِ في الحالِ، بخلافِ الأول.

٣٧

شَرَطَ الإيفاءَ في مدينةٍ: فكلُّ مَحَلَّاتِها سواءٌ فيه، أي في الإيفاءِ، حتى لو أوفاه في مَحَلَّةٍ منها: برئ، وليس له أن يُطالِبَه في مَحَلَّةٍ أخرى. بزازية.

وفيها قَبْلَه: شَرَطَ حَمْلَه إلى منزلِه بعدَ الإيفاءِ في المكانِ المشروطِ: لم يصحَّ؛ لاجتماع الصفقتَيْن: الإجارةِ، والتجارة.

٣٨

وما لا حَمْلَ له، كمِسْكٍ، وكافورٍ، وصغارِ لؤلؤٍ: لا يُشترَطُ فيه بيانُ مكانِ الإيفاءِ، اتفاقًا.

٣٩

ويُوَفِّيه حيثُ شاء، في الأصح، وصحَّحَ ابنُ كمالَ مكانَ العقد.

٤٠

ولو عيَّنَ فيما ذُكِرَ مكانًا: تعيَّن، في الأصح. فتح؛ لأنه يفيدُ سقوطَ خَطَرِ الطريق.

٤١

وبقِيَ من الشروط: قَبْضُ رأسِ المالِ، ولو عَيْنًا، قبلَ الافتراقِ بأبدانهما وإن ناما، أو سارا فَرْسخًا، أو أكثرَ.

ولو دَخَلَ ليُخرِجَ الدراهمَ: إن توارى عن المسلَمِ إليه: بَطَلَ، وإن بحيثُ يراهُ: لا.

وصحَّتِ الكفالةُ، والحوالةُ، والارتهانُ برأسِ مالِ السلم. بزازية.

وهو شَرْطُ بقائِه على الصحةِ، لا شَرْطُ انعقادِه بوَصْفِها، فينعقدُ صحيحًا، ثم يبطلُ بالافتراقِ بلا قَبْضٍ.

٤٢

ولو أبى المسلَمُ إليه قَبْضَ رأسِ المالِ: أُجبِرَ عليه. خلاصة.

وبقيَ من الشروط: كونُ رأسِ المالِ مَنقودًا، وعدمُ الخيار.

وأن لا يَشمَلَ البدلَيْن إحدى علتَيِ الربا، وهو القَدْرُ المتَّفِقُ، أو الجنسُ؛ لأن حُرمةَ النَّساءِ تتحقَّقُ به.

وعدّها العينيُّ تَبَعًا للغاية سبعةَ عشر، وزاد المصنِّفُ، وغيرُه: القدرةَ على تحصيلِ المسلَمِ فيه.

٤٣

ثم فرَّعَ على الشرطِ الثامنِ بقوله: فإن أسلَمَ مائتي درهمٍ في كُرِّ: بضَمٍّ، فتشديدٍ: ستونَ قَفيزًا، والقفيز: ثمانيةُ مَكاكيكَ، والـمَكَّوكُ: صاعٌ ونصفٌ. عيني.

٤٤

بُرٍّ، حالَ كونِ المائتينِ مقسومةً، مائةً دَيْنًا عليه، أي على المسلَمِ إليه، ومائةً نقدًا، نَقَدَها ربُّ السلَمِ، وافترَقَا على ذلك: فالسلمُ في حصةِ الدينِ: باطلٌ؛ لأنه دَيْنٌ بدينٍ، وصحَّ في حصةِ النقد، ولم يَشِعِ الفسادُ؛ لأنه طارئٌ، حتى لو نَقَدَ الدينَ في مجلسِه: صحَّ في الكلِّ.

ولو إحداهما دنانيرَ، أو على غيرِ العاقدَيْن: فَسَدَ في الكلِّ.

٤٥

ولا يجوزُ التصرُّفُ للمسلَم إليه في رأسِ المالِ، ولا لربِّ السلمِ في الـمُسلَمِ فيه قَبْلَ قَبْضِه، بنحوِ بيعٍ، وشركةٍ، ومرابحةٍ، وتوليةٍ، ولو ممن عليه، حتى لو وَهَبَه منه: كان إقالةً إذا قَبِلَ.

وفي الصغرى: إقالةُ بعضِ السلمِ: جائزةٌ.

٤٦

ولا يجوزُ لربِّ السَّلَمِ شراءُ شيءٍ من المسلَمِ إليه برأسِ المال بعدَ الإقالةِ في عقدِ السلمِ الصحيح، فلو كان فاسدًا: جاز الاستبدالُ كسائرِ الديون.

٤٧

قَبْلَ قَبْضِه بحُكْمِ الإقالةِ؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: لا تأخُذْ إلا سَلَمَكَ، أو رأسَ مالِكَ، أي إلا سَلَمَكَ حالَ قيامِ العقدِ، أو رأسَ مالِكَ حالَ انفساخِه، فامتَنَعَ الاستبدالُ.

٤٨

بخلافِ بدلِ الصرفِ، حيثُ يجوزُ الاستبدالُ عنه، لكن بشرطِ قَبْضِه في مجلسِ الإقالةِ؛ لجوازِ تصرُّفِه فيه، بخلافِ السلمِ.

٤٩

ولو شرى المسلَمُ إليه في كُرٍّ كُرًّا، وأمَرَ المشتري ربَّ السلم بقَبْضِه قضاءً عمَّا عليه: لم يصحَّ؛ للزومِ الكيل مرتين، ولم يوجد.

٥٠

وصحَّ لو كان الكُرُّ قرضًا، وأمَرَ مُقرِضَه به؛ لأنه إعارةٌ، لا استبدالٌ.

٥١

كما صحَّ لو أمَرَ المسلَمُ إليه ربَّ السلم بقَبْضِه منه له، ثم لنفسِه، ففعل، فاكتاله مرتين؛ لزوال المانع.

٥٢

أمَرَه، أي الـمُسلَمَ إليه ربُّ السلم أن يَكيلَ المسلمَ فيه، في ظَرْفِه، فكاله في ظَرْفِه، أي وعاءِ ربِّ السلم، بغَيْبتِه: لم يكن قَبْضًا، أما بحضرته: فيصير قابضًا بالتخلية.

٥٣

أو أمَرَ المشتري البائعَ بذلك، فكاله في ظَرْفِه، ظرفِ البائعِ: لم يكنْ قَبْضًا لحَقِّه.

٥٤

بخلافِ كَيْلِه في ظَرْفِ المشتري بأمرِه، فإنه قَبْضٌ؛ لأن حقَّه في العين، والأولُ في الذمة.

٥٥

كَيْلُ العينِ المشتراةِ، ثم كَيْلُ الدَّيْنِ المسلَمِ فيه، وجَعْلُهما في ظَرْفِ المشتري: قَبْضٌ بأمرِه؛ لتبعيةِ الدَّيْنِ للعين.

٥٦

وعكسُه، وهو كيلُ الدينِ أوَّلًا: لا يكونُ قبضًا.

وخيَّراه بين نَقْضِ البيع، والشركة.

٥٧

أسلم أمةً في كُرِّ بُرٍّ، وقُبِضَتْ، فتقايلا السلمَ، فماتَتْ قبلَ قَبْضِها بحُكْم الإقالةِ: بقيَ عقدُ الإقالةِ.

٥٨

أو ماتَتْ، فتقايلا: صحَّ؛ لبقاءِ المعقودِ عليه، وهو المسلَمُ فيه.

٥٩

وعليه قيمتُها يومَ القبضِ فيهما، في المسألتَيْن؛ لأنه سببُ الضمانِ.

٦٠

كذا الحكمُ في المقايضةِ.

بخلاف الشراءِ بالثمنِ فيهما؛ لأنَّ الأمةَ أصلٌ في البيع.

والحاصلُ: جوازُ الإقالةِ في السلمِ قبلَ هلاكِ الجارية، وبعدَه، بخلاف البيع.

٦١

تقايلا البيعَ في عبدٍ، فأَبَقَ بعدَ الإقالةِ من يدِ المشتري: فإن لم يقدِرْ على تسليمِه للبائع: بطلَتِ الإقالةُ، والبيعُ بحالِه. قنية.

٦٢

والقولُ لمدَّعي الرَّداءةِ، والتأجيلِ، لا لنافي الوصفِ، وهو الرداءةُ، والأجلِ.

والأصلُ: أنَّ مَن خَرَجَ كلامُه تعنُّتًا: فالقولُ لصاحبِه، بالاتفاقِ.

وإن خَرَجَ خصومةٌ، ووَقَعَ الاتفاقُ على عقدٍ واحدٍ: فالقولُ لمدَّعي الصحةِ عنده، وعندَهما للـمُنكِر.

٦٣

ولو اختلَفَا في مقدارِه: فالقولُ للطالبِ، مع يمينِه؛ لإنكارِه الزيادةَ.

٦٤

وأيٌّ بَرْهَنَ: قُبِلَ.

وإن بَرْهَنَا: قُضِيَ ببينةِ المطلوبِ؛ لإثباتها الزيادةَ.

٦٥

وإنِ اختلَفَا في مُضِيِّه: فالقولُ للمطلوبِ، أي المسلَمِ إليه بيمينِه، إلا أن يُبرهِنَ الآخَرُ، وإن برهَنَا: فبينةُ المطلوبِ.

ولو اختلفا في السلَمِ: تحالَفَا، استحسانًا. فتح.

عقد الاستصناع:
٦٦

والاستصناعُ هو: طَلَبُ عَمِلِ الصنعةِ، بأجَلٍ، ذُكِرَ على سبيلِ الاستمهالِ، لا الاستعجالِ، فإنه لا يصيرُ سَلَمًا.

٦٧

سَلَمٌ، فتُعتَبَرُ شرائطُه، جرى فيه تعامُلٌ، أم لا.

وقالا: الأولُ استصناعٌ.

٦٨

وبدونِه، أي الأجلِ، فيما فيه تعامُلُ الناسِ، كخُفٍّ، وقُمْقُمَةٍ، وطَسْتٍ: بمُهملَةٍ، وذَكَرَه في المغرب في الشين المعجمة، وقد يُقال: طُسُوْتٌ: صحَّ الاستصناعُ بيعًا، لا عِدَةً، على الصحيح.

٦٩

ثم فَرَّغَ عليه بقوله: فيُجبَرُ الصانعُ على عملِه، ولا يَرجِعُ الآمِرُ عنه، ولو كان عِدَةً: لَما لَزِمَ.

٧٠

والمبيعُ هو العينُ، لا عمَلُه، خلافًا للبَرْدَعِيِّ.

٧١

فإن جاء الصانعُ بمَصنوعِ غيره، أو بمَصنوعِه قبلَ العقدِ، فأخَذَه: صحَّ، ولو كان المبيعُ عملَه: لَما صحَّ.

٧٢

ولا يَتعيَّنُ الـمَبيعُ له، أي للآمِرِ، بلا رِضاه، فصحَّ بيعُ الصانعِ لـمَصنوعِه قبلَ رؤيةِ آمِرِه، ولو تعيَّنَ له: لَما صحَّ بيعُه.

٧٣

وله، أي للآمِرِ، أَخْذُه، وتَرْكُه بخيارِ الرؤيةِ.

ومُفادُه: أنه لا خيارَ للصانع بعدَ رؤيةِ المصنوعِ له، وهو الأصحُّ. نهر.

٧٤

ولم يَصِحَّ فيما لم يُتعامَلْ فيه، كالثوبِ، إلا بأجلٍ، كما مَرَّ.

فإنْ لم يصحَّ: فَسَدَ إن ذُكِرَ الأجلُ على وجهِ الاستمهال، وإن للاستعجالِ، كـــ: على أنْ تَفْرُغَه غدًا: كان صحيحًا.

فرعٌ: السَّلَمُ في الدِّبْسِ: لا يجوزُ؛ لِما في إجارة جواهرِ الفتاوى: لو جُعِلَ الدِّبْسُ أجرةً: لا يجوزُ؛ لأنه ليسَ بمِثْليٍّ؛ لأنَّ النارَ عَمِلَتْ فيه.

قلتُ: وسيجيءُ في الغصبِ: أنَّ الرُّبَّ، والقَطْرَ، واللحمَ، والفحمَ، والآجُرَّ، والصابونَ، والعُصفُرَ، والسِّرقينَ، والجلودَ، والصَّرْمَ، وبُرًّا مخلوطًا بشعيرٍ: قيمِيٌّ، فليُحفَظْ.

باب الـمُتفرِّقات من أبوابِها

وعبَّرَ في الكنز بــــ: مسائلُ مَنْثورةٌ، وفي الدرر: بــ: مسائلُ شتى، والمعنى واحدٌ.

١

اشترى ثَوْرًا أو فَرَسًا من خَزَفٍ لــ أَجْلِ استئناسِ الصبيِّ: لا يصحُّ، و لا قيمةَ له، فـــ لا يَضمَنُ مُتْلِفُه.

وقيل: بخلافِه، يصحُّ، ويَضمَنُ. قنية، وفي آخِرِ حَظْرِ المجتبى: عن أبي يوسف: يجوزُ بيعُ اللَّعْبَةِ، وأن يلعبَ بها الصبيانُ.

٢

وصحَّ بيعُ الكلبِ، ولو عَقُورًا، والفهدِ، والفيلِ، والقِرْدِ، والسِّبَاعِ بسائرِ أنواعِها، حتى الهِرَّةِ.

٣

وكذا الطيورُ، عُلِّمَتْ، أوْ لا، سوى الخنزير، وهو المختارُ؛ للانتفاعِ بها، ويجلدِها، كما قدَّمناه في البيع الفاسدِ.

والتَّمَسْخُرُ بالقِرْدِ وإن كان حرامًا: لا يَمنعُ بيعَه، بل يُكرِّهه، كبيع العصير. شرح وهبانية.

فرعٌ: لا ينبغي اتخِاذُ كلبٍ، إلا لخَوْفِ لِصٍّ، أو غيرِه، فلا بأسَ به.

ومِثْلُه سائرُ السباعِ. عيني.

وجاز اقتناؤه لصيدٍ، وحِرَاسةِ ماشيةٍ، وزَرْعٍ، إجماعًا.

٤

كما صحَّ بيعُ خُرْءِ حَمامٍ كثيرٍ، و صحَّ هبتُه. قنية.

٥

وأدنى القيمةِ التي تُشترَطُ لجوازِ البيع: فَلْسٌ، ولو كانت كِسْرةَ خُبْزٍ: لا يجوزُ. قنية.

٦

كما لا يجوزُ بيعُ هَوَامِّ الأرضِ، كالخَنَافِسِ، والقَنافَذِ، والعقاربِ، والوَزَغِ، والضَّبِّ.

٧

ولا هوامِّ البحرِ، كالسَّرَطانِ، وكلِّ ما فيه، سوى سمكٍ.

وجَوَّزَ في القنية: بيعَ ما له ثمنٌ، كسَقَنْقُورٍ، وجلودِ خَزٍّ، وجَمَلِ الماءِ لو حيًّا، وأطلق الحسنُ الجوازَ.

وجوَّزَ أبو الليثِ بيعَ الحيَّاتِ إن انتُفِعَ بها في الأدويةِ، وإلا: لا.

وردَّه في البدائع، بأنه غيرُ سَدِيدٍ؛ لأن الـمُحَرَّمَ شرعًا: لا يجوزُ الانتفاعُ به للتداوي، كالخمر، فلا تقعُ الحاجةُ إلى شَرْعِ البيع.

٨

ويجوزُ بيعُ دُهْنٍ نَجِسٍ، أي مُتَنَجِّسٍ، كما قدَّمناه في البيع الفاسد، ويُنتَفَعُ به للاستصباحِ في غيرِ مسجدٍ، كما مَرَّ.

٩

والذميُّ: كالمسلم في بيعٍ، كصرفٍ، وسَلَمٍ، وربًا، وغيرِها

١٠

غيرِ الخمرِ، والخنزيرِ، وميتةٍ لم تَمُتْ حَتْفَ أنفِها، بل بنحوِ خَنْقٍ، أو ذَبْحِ مجوسيٍّ: فإنها كخنزيرٍ، وقد أُمِرْنا بتَرْكِهم، وما يَدينون.

١١

وصحَّ شراؤه، أي الكافرِ، كما قدَّمْناه في البيع الفاسد.

١٢

عبدًا مسلمًا، أو مُصْحفًا، أو شِقْصًا منهما، ويُجبَرُ على البيع، ولو المشتري صغيرًا: أُجبِرَ عليه وليُّه، فلو لم يكن: أقام القاضي له وليًا.

وكذا لو أسلم عندَه، ويَتْبعُه طفلُه.

ولو أعتَقَه، أو كاتَبَه: جاز، فإن عَجَز: أُجبِرَ أيضًا.

ولو دبَّره، أو استولدها: سَعَيَا في قيمتِهما.

ويوجَعُ ضَرْبًا لوطئِه مسلمةً، وذلك حرامٌ.

فرعٌ: مَن عادتُه شراءُ الـمُرْدان: يُجبَرُ على بيعِه؛ دَفْعًا للفساد. نهر، وغيره.

وكذا مُحْرِمٌ أخَذَ صيدًا: يُؤمَرُ بإرسالِه.

ولو أسلَمَ مُقْرِضُ الخمرِ: سقطت، ولو المستقرضُ: فروايتان.

١٣

وطءُ زوجِ الأَمَةِ المشتراةِ التي أنكحها مشتريها قبلَ قَبْضِها: قَبْضٌ لمشتريها؛ لحصولِه بتسليطه، فصار فِعْلُه: كفِعْلِه.

١٤

لا مجرَّدُ نكاحِها؛ استحسانًا.

١٥

فلو انتقَضَ البيعُ قبلَ القبضِ: بَطَلَ النكاحُ في قولِ الثاني، وهو المختارُ.

وقيَّدَه الكمالُ بما إذا لم يكن بطلانُه بموتِها، فلو به قبلَ القبضِ: لم يبطلِ النكاحُ، وإن بطل البيعُ: فيَلزمُه المهرُ للمشتري. فتح.

١٦

اشترى شيئًا مَنقولًا، إذِ العقارُ لا يبيعُه القاضي، وغاب المشتري، قبلَ القبضِ ونَقْدِ الثمنِ، غَيْبةً معروفةً، فأقام بائعُه بينةً أنه باعه منه: لم يُبَعْ في دَيْنِه؛ لإمكانِ ذهابِه إليه.

١٧

وإن جُهِلَ مكانُه: بِيعَ الـمَبيعُ، أي باعه القاضي، أو مأمورُه؛ نظرًا للغائبِ، وأدَّى الثمنَ، وما فَضَلَ يُمسِكُه للغائب، وإن نَقَصَ: تَبِعَه البائعُ إذا ظَفِرَ به.

١٨

وإن اشترى اثنان شيئًا، وغاب واحدٌ منهما: فللحاضِرِ دَفْعُ كلِّ ثمنِه، ويُجبَرُ البائعُ على قَبولِ الكلِّ، ودَفْعِ الكلِّ للحاضر.

١٩

وله قَبْضُه، وحَبْسُه عن شريكِه إذا حَضَرَ حتى يَنقُدَ شريكُه الثمنَ، بخلافِ أحدِ المستأجرَيْن.

والفرقُ: أنَّ للبائع حَبْسَ المبيع لاستيفاءِ الثمنِ، فكان مضطرًا، بخلاف المؤجِرِ، اللهمَّ إلا إذا شَرَطَ تعجيلَ الأجرة.

٢٠

باع شيئًا بألفِ مثقالِ ذهبٍ وفضةٍ: تنصَّفَا به، أي بالمثقال، فيجبُ خمسُمائةِ مثقالٍ من كلٍّ منهما؛ لعدم الأوْلوية.

٢١

وفي بيعِه شيئًا بألفٍ من الذهبِ والفضةِ: تنصَّفَا، وانصرَفَ للوزنِ المعهودِ، فـــالنصفُ من الذهبِ: مثاقيلُ، والنصفُ من الفضةِ: دراهمُ.

ومثلُه: له عليَّ كُرُّ حنطةٍ وشعيرٍ وسِمْسِمٍ: لزمه من كلِّ ثلثُ كُرٍّ.

وهذه قاعدةٌ في المعاملاتِ كلِّها، كمهرٍ، ووصيةٍ، ووديعةٍ وغصبٍ، وإجارةٍ، وبدلِ خُلْعٍ، وغيرِه في موزونٍ، ومكيلٍ، ومعدودٍ، ومَذروعٍ. عيني.

٢٢

وقولُه: وَزْنُ سَبْعةٍ: تقدَّم في الزكاة.

وأفاد الكمالُ أنَّ اسمَ الدرهم: ينصرفُ للمتعارَفِ في بلدِ العقد، ففي مصر: ينصرفُ للفلوس.

وأفاد في النهر: أن قيمتَه تختلِفُ باختلافِ الأزمان، فأفتى اللَّقانيُّ بأنه يساوي نصفًا وثلاثةَ فلوسٍ، فلو أَطلَقَ الواقفُ الدرهمَ: اعتُبِرَ زمنُه إن عُرِفَ، وإلا: صُرِفَ للفضة؛ لأنه الأصلُ، كما لو قيَّدَه بالـنُّقْرةِ، كواقفِ الشيخونيَّةِ، والصَّرْغَتْمَشيَّةِ، ونحوِهما، فقيمةُ درهمِها: نصفان.

وأفاد المصنِّفُ أن النُّقْرةَ تُطلَقُ على الفضةِ، وعلى الذهبِ، وعلى الفلوس: النحاسِ، بعُرْفِ مصرَ الآن، فلا بدَّ من مُرَجِّحٍ.

فإن لم يوجَدْ: فالعملُ على الاستيماراتِ القديمةِ للوقفِ، كما عَوَّلوا عليها في نظائرِه، كمعرفة خَراجٍ، ونحوِه.

قال: وبه أفتى المنلا أبو السعود أفندي.

٢٣

ولو قَبَضَ زَيْفًا، بدلَ جيِّدٍ كان له على آخَرَ، جاهِلًا به، فلو عَلِمَ، وأنفَقَه: كان قضاءً، اتفاقًا، ونَفَقَ، أو أنفَقَه، فلو قائمًا: ردَّه، اتفاقًا: فهو قضاءٌ لحَقِّه.

وقال أبو يوسف: إذا لم يَعلَمْ: يَرُدُّ مِثْلَ زَيْفِه، ويَرجِعُ بجيِّده؛ استحسانًا، كما لو كانت سَتَّوقةً أو نَبَهْرجةً، واختاروه للفتوى. ابنُ كمال.

قلت: ورجَّحَه في البحر، والنهر، والشرنبلالية، فبِه يُفتَى.

٢٤

ولو فَرَّخَ طيرٌ، أو باضَ في أرضٍ لرجلٍ، أو تكسَّرَ فيها ظبيٌّ، أي انكسر رِجْلُه بنفسِه، فلو كَسَرَها رَجُلٌ: كان للكاسِرِ، لا للآخِذِ: فهو للآخِذِ؛ لسَبْقِ يدِه لمباحٍ، إلا إذا هيَّأَ أرضَه لذلك: فهو له.

٢٥

أو كان صاحبُ الأرضِ قريبًا من الصيدِ، بحيثُ يَقْدِرُ على أخْذِه لو مَدَّ يدَه: فهو لصاحبِ الأرضِ؛ لتَمكُّنِه منه، فلو أخذَه غيرُه: لم يَملِكه. نهر.

٢٦

وكذا مثلُ ما مَرَّ صيدٌ تعلَّقَ بشبكةٍ نُصِبَتْ للجَفافِ، أو دَخَلَ دارَ رَجُلٍ.

٢٧

ودرهمٌ أو سُكَّرٌ نُثِرَ، فوَقَعَ على ثوبٍ لم يُعَدَّ له سابقًا، ولم يُكَفَّ لاحِقًا، فلو أعَدَّه، أو كَفَّه: مَلَكَه بهذا الفعل.

فروعٌ:

عَسَّلَ النَّحْلُ في أرضِه: مَلَكَه مطلقًا؛ لأنه صار من أنزالها.

شرى دارًا، فطَلَبَ المشتري أن يكتُبَ له البائعُ صَكًّا: لا يُجبَرُ عليه، ولا على الإشهادِ، والخروجِ إليه، إلا إذا جاءَه بعُدُولٍ، وصَكٍّ: فليس له الامتناعُ من الإقرار.

شرى قُطْنًا، فغَزَلَتْه امرأتُه: فكُلُّه له.

المرأةُ إذا كَفَّنَتْ زوجَها بلا إذْنِ الورثةِ كَفَنَ مثلِه: رَجَعَتْ في التركةِ، ولو أكثرَ: لا ترجعُ بشيءٍ.

قال رحمه الله: ولو قيل: تَرجِعُ بقيمةِ كَفَنِ المِثلِ: لا يَبعُدُ.

اكتسب حرامًا، واشترى به، أو بالدراهم المغصوبةِ شيئًا: قال الكَرْخي: إن نَقَدَ قبلَ البيعِ: تصدَّقَ بالربح، وإلا: لا، وهذا القياسٌ.

وقال أبو بكر: كلاهما سواءٌ، ولا يَطيبُ له.

وكذا لو اشترى، ولم يَقُلْ بهذه الدراهمِ، وأعطى مِنَ الدراهم.

دَفَعَ مالَه مضاربةً لرَجُلٍ جاهلٍ: جاز أَخْذُ رِبْحِه، ما لم يَعلَمْ أنه اكتسبَ الحرامَ.

مَن رمى ثوبَه: لا يجوزُ لأحدٍ أخذُه، ما لم يَقُلْ حين رمى: ليأخُذْه مَن أراد.

باع الأبُ ضَيْعةَ طفلِه، والأبُ مُفسِدٌ فاسقٌ: لم يجُزْ بيعُه؛ استحسانًا.

شَرَتْ لطفلِها على أنْ لا تَرجِعَ عليه بالثمن: جاز، وهو كالهبة؛ استحسانًا.

قال الأسيرُ: اشتَرِني، أو فُكَّنِي، فشراه: رَجَعَ بما أدَّى، كأنه أقْرَضَه.

ولو قال: بألفٍ، فشَراه بأكثرَ: لم يلزَمْه الفضلُ؛ لأنه تخليصٌ، لا شراءٌ.

شرى دارًا، ودَبَغَ، وتأذَّى جيرانُه: إنْ على الدوامِ: يُمنَعُ، على النُّدْرةِ: يُتحَمَّلُ منه.

شرى لحمًا على أنه لحمُ غَنَمٍ، فوَجَدَه لحمَ مَعْزٍ: له الردُّ.

قال: زِنْ لي من هذا اللحمِ ثلاثةَ أرطالٍ، فوَزَنَ له: أُخَيّرُه.

ومن هذا الجَنْبِ، فوَزَنَ: لم يُخيَّرْ.

شرى بَذْرًا خريفيًا، فإذا هو رَبيعيٌّ، أو شرى بَذْرَ البطيخ، فإذا هو بَذْرُ القِثَّاء: إن قائمًا: ردَّه، وإن مستهلَكًا: فعليه مِثلُه.

ساوَمَ صاحبَ الزجاجِ، فدَفَعَ له قَدَحًا يَنظُرُه، فوَقَعَ منه على أقداحٍ، فانكسَرَتْ: ضَمِنَ الأقداحَ، لا القدحَ.

شرى شجرةً بأصلِها، وفي قَلْعِها من الأصلِ ضررٌ بالبائع: يَقطَعُها من وجهِ الأرضِ، من حيثُ لا يتضرَّرُ به البائع.

ولو انهدم من سقوطِه حائطٌ: ضَمِنَ القالِعُ ما تولَّدَ من قَلْعِه.

دَفَعَ دراهمَ زُيوفًا، فكَسَّرَها البائع: لا شيءَ عليه، ونِعْمَ ما صَنَعَ، حيثُ غَشَّه وخانَه، وكذا لو دَفَعَ إليه ليَنظُرَ إليه، فكَسرَه.

ولا بأسَ ببيع الـمَغشوشِ إذا بُيِّنَ غِشُّه، أو كان ظاهرًا يُرى.

وكذا قال أبو حنيفة في حنطةٍ خُلِطَ بها الشعيرُ، والشعيرُ يُرَى: لا بأسَ ببيعِه، وإن طَحَنَه: لا يبيعُ.

وقال الثاني: في رَجُلٍ معه فضةُ نحاسٍ: لا يبيعُها حتى يُبيِّنَ.

وكلَّ شيءٍ لا يجوزُ، فإنه ينبغي أن يُقطَعَ، ويُعاقَبُ صاحبُه إذا أنفَقَه وهو يَعرفُه.

شرى فلوسًا بدرهمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: هيَ بدرهَمِكَ: لا يُنفِقُها حتى يَعُدُّها.

شرى بالدرهمِ الزَّيْفِ، ورضِيَ بأقلَّ مما يُشترى بالجيِّدِ: حَلَّ له.

شرى ثيابًا ببغدادَ، على أن يُوَفِّيَ ثمنَه بسَمَرْقَنْدَ: لم يَجُزْ؛ لجهالة الأجل.

باع نصفَ أرضِه بشرطِ خراج كلِّها على المشتري: فهو فاسدٌ.

أُخِذَ الخراجُ من الأَكَّارِ: له أن يَرجِعُ على الدِّهْقان؛ استحسانًا.

شرى الكَرْمَ مع الغَلَّةِ، وقَبَضَه: إن رَضِيَ الأكَّارُ: جاز البيعُ، وله حصتُه من الثمن، وإن لم يرضَ: لم يجُزْ بيعُه.

قضاه درهمًا، وقال: أنفِقْه، فإن جاز، وإلا: فرُدَّه عليَّ، فقَبِلَه، ولم يُنفِقْه: له ردُّه؛ استحسانًا.

بخلافِ جاريةٍ وَجَدَ بها عيبًا، فقال: اعْرِضْها، أو بِعْها، فإن نَفَقَتْ، وإلا: فرُدَّها، فعَرَضَها على البيع: سَقَطَ الردُّ.

قال أبو حنيفة: إذا وَطِئَ رجلٌ أمتَه، ثم زوَّجَها مكانَه: فللزوجِ وطؤها بلا استبراءٍ.

وقال أبو يوسف: أستَقْبِحُ، ولا يَقْرَبُها حتى تحيضَ حيضةً، كما لو اشتراها، كما سيجيءُ في الحَظْرِ، والكلّ من الملتقط.

ما يَبطُلُ بالشرطِ الفاسد، ولا يَصحُّ تعليقُه به

ها هنا أصلان: أحدُهما: أنَّ كلَّ ما كان مبادَلَة مالٍ بمالٍ: يَفسُدُ بالشرط الفاسدِ، كالبيع، وما لا: فلا، كالقرض.

ثانيهما: أنَّ كلَّ ما كان من التمليكات، أو التقييدات، كرَجعةٍ: يبطلُ تعليقُه بالشرط، وإلا: صحَّ.

لكنْ في إسقاطاتٍ والتزاماتٍ يُحلَفُ بهما، كحجٍّ، وطلاقٍ: يصح مطلقًا.

وفي إطلاقاتٍ، وولاياتٍ، وتحريضاتٍ: بالملائم. بزازية.

فالأولُ: أربعةَ عشر، على ما في الدرر، والكنز، وإجارةِ الوقاية:

١

البيعُ إن عَلَّقَه بكلمةِ: إن: لا بـــ: على، على ما بيَّنَّا في البيعِ الفاسد.

٢

والقسمةُ للمِثْليِّ، أما قسمةُ القيميِّ: فتصحُّ بخيارِ شَرْطٍ، ورؤيةٍ.

٣

والإجارةُ، إلا في قولِه: إذا جاء رأسُ الشهرِ فقد آجَرْتُك داري بكذا، فيصحُّ. به يُفتى. عمادية.

وقولِه لغاصِبِ دارِه: فَرِّغْها، وإلا فأجرتُها كلَّ شهرٍ بكذا: جاز، كما سيجيءُ في متفرِّقاتِ الإجارة، مع أنه تعليقٌ بعدم التفريغ.

٤

والإجازةُ: بالزاي، فقولُ البِكْرِ: أجزتُ النكاحَ إنْ رضِيَتْ أمي: مُبطِلٌ للإجازة. بزازية.

وكذا كلُّ ما لا يَصحُّ تعليقُه بالشرطِ، إذا انعقَدَ موقوفًا: لا يصحُّ تعليقُ إجازتِه بالشرط. بحر، فقَصْرُها على البيع: قُصورٌ، كما وَقَعَ في المنح.

٥

والرجعةُ، قال المصنِّفُ: إنما ذكرتُها تبعًا للكنز، وغيرِه.

قال شيخُنا في بحره: وهو خطأٌ، والصوابُ أنها لا تبطلُ بالشرطِ؛ اعتبارًا لها بأصلِها، وهو النكاحُ، وأطال الكلامَ.

لكن تعقَّبَه في النهر، وفرَّقَ بأنها لا تفتقِرُ لشهودٍ، ومَهْرٍ.

وله رجعةُ أمةٍ على حرةٍ نَكَحَها بعدَ طلاقِها، وتبطلُ بالشرط، بخلافِ النكاح.

٦

والصلحُ عن مالٍ بمالٍ. درر، وغيرها.

وفي النهر: الظاهرُ: الإطلاقُ، حتى لو كان عن سكوتٍ، أو إنكارٍ: كان فداءً في حَقِّ الـمُنكِرِ، ولا يجوزُ تعليقُه.

٧

والإبراءُ عن الدَّيْنِ؛ لأنه تمليكٌ من وجهٍ، إلا إذا كان الشرطُ متعارَفًا، أو عَلَّقَه بأمرٍ كائنٍ، كـــ: إن أعطيتَه شريكي فقد أبرأتُكَ، وقد أعطاه: صحَّ.

وكذا بموتِه، ويكونُ وصيةً، ولو لوارثِه، على ما بَحثَه في النهر.

٨

وعَزْلُ الوكيل.

والاعتكافُ، فإنهما ليسا مما يُحلَفُ به، فلم يَجُزْ تعليقُهما بالشرط.

وهذا في إحدى الروايتَيْن، كما بَسَطَه في النهر، والصحيحُ إلحاقُ الاعتكافِ بالنَّذْر.

٩

والمزارعةُ.

والـمَعَاملةُ، أي المساقاةُ؛ لأنهما إجارةٌ.

والإقرارُ، إلا إذا علَّقَه بمجيءِ الغدِ أو بموتِه، بيجوزُ، ويلزَمُه للحال. عيني.

والوقفُ.

والرابعَ عشر: التحكيمُ، كقولِ المحكِّمَيْن: إذا أهَلَّ الشهرُ فاحكُمْ بيننا؛ لأنه صُلْحٌ معنىً.

فلا يصحُّ تعليقُه، ولا إضافتُه عندَ الثاني، وعليه الفتوى، كما في قضاءِ الخانية.

١٠

وبقِيَ إبطالُ الأجلِ، ففي البزازية: أنه يبطلُ بالشرطِ الفاسدِ.

وكذا الحَجْرُ، على ما في الأشباه.

وما يصحُّ، ولا يَبطُلُ بالشرطِ الفاسدِ؛ لعدم المعاوَضَةِ الماليةِ سبعةٌ وعشرون، على ما عَدَّه المصنِّفُ تَبَعًا للعيني، وزِدْتُ ثمانيةً:

1- القرضُ، 2- والهبةُ، 3- والصدقةُ، 4- والنكاحُ.

5- والطلاقُ، 6- والخلعُ، 7- والعتقُ، 8- والرهنُ.

9- والإيصاءُ، كـــــ: جعلتُكَ وصيًا على أن تتزوَّجَ بنتي.

10- والوصيةُ، 11- والشركةُ، 12- والمضاربةُ.

13- وكذا القضاءُ، 14- والإمارةُ، كــــــ: ولَّيْتُكَ بلدَ كذا مؤبَّدًا: صحَّ، وبَطَلَ الشرطُ، فله عَزْلُه بلا جُنْحَةٍ.

وهل يُشترَطُ لصحةِ عَزْلِه، كمدرِّسٍ أبَّدَه السلطانُ أن يقولَ: رجعـتُ عن التأبيد؟ أفتى بعضُهم بذلك، واختار في النهر إطلاقَ الصحة.

وفي البزازية: لو شَرَطَ عليه أنْ لا يَرْتَشِيَ، ولا يَشربَ الخمرَ، ولا يمتثلَ قولَ أحدٍ، ولا يَسمعَ خصومةَ زيدٍ: صحَّ التقليدُ، والشرطُ.

15- والكفالةُ، 16- والحوالةُ، إلا إذا شَرَطَ في الحوالةِ الإعطاءَ من ثمنِ دارِ الـمُحِيلِ: فتفسُدُ؛ لعدم قدرتِه على الوفاءِ بالملتَزَم، كما عزاه المصنِّفُ. للبزازية.

وأجاب في النهر بأن هذا من الـمُحتالِ عليه وَعْدٌ، وليس الكلامُ فيه، فليحرّر.

17- والوكالةُ، 18- والإقالةُ، 19- والكتابةُ، إلا إذا كان الفسادُ في صُلْبِ العقدِ، أي نفسِ البدلِ، ككتابتِه على خمرٍ: فتفسُدُ به، وعليه يُحمَلُ إطلاقُهم، كما حرَّرَه خُسْرو.

20- وإذنُ العبدِ في التجارة.

21- ودِعوةُ الولد، كـــ: هذا الولدُ مني إن رضِيَت امرأتي.

22- والصلحُ عن دمِ العمد، وكذا الإبراءُ عنه، ولم يذكُره؛ اكتفاءً بالصلح. درر.

23- وعنِ الجراحةِ التي فيها القَوَدُ، وإلا: كان من القِسمِ الأولِ.

وعن جنايةِ غصبٍ، ووديعةٍ، وعاريةٍ إذا ضَمِنَها رجلٌ، وشَرَطَ فيها حوالةً، أو كفالةً. درر.

والنسبُ، والحَجْرُ على المأذون. نهر، والغصبُ، وأمانُ القِنِّ. أشباه.

24- وعَقْدُ الذمةِ،

25- وتعليقُ الردِّ بالعيبِ.

26- و تعليقُه بخيارِ الشرطِ.

27- وعَزْلُ القاضي، كـــ: عَزَلْتُكَ إن شاءَ فلانٌ، فيَنعزلُ، ويبطلُ الشرط؛ لِما ذَكَرْنا أنها كلَّها ليست بمعاوَضَةٍ ماليةٍ، فلا تؤثِّرُ فيها الشروطُ الفاسدةُ.

وبقي ما يجوزُ تعليقُه بالشرط، وهو مختَصٌّ بالإسقاطاتِ الـمَحْضةِ التي يُحلَفُ بها، كطلاقٍ، وعَتَاقٍ، وبالالتزاماتِ التي يُحلفُ بها، كحجٍّ، وصلاةٍ، والتَّوْلِيات، كقضاءٍ، وإمارة. عيني، وزيلعي.

زاد في النهر: الإذنَ في التجارةِ، وتسليمَ الشفعةِ، والإسلامَ.

وحرَّرَ المصنِّفُ دخولَ الإسلامِ في القسم الأولِ؛ لأنه من الإقرار.

ودخولَ الكفر هنا؛ لأنه تَرْكٌ.

ويصحُّ تعليقُ هبةٍ، وحوالةٍ، وكفالةٍ، وإبراءٍ عنها بمُلائم.

وما تصحُّ إضافتُه إلى الزمانِ المستقبَلِ:

الإجارةُ، وفَسْخُها، والمزارعةُ، والمعاملةُ، والمضاربةُ.

والوكالةُ، والكفالةُ، والإيصاءُ، والوصيةُ.

والقضاءُ، والإمارةُ، والطلاقُ، والعَتَاقُ، والوقفُ، فهي أربعةَ عشر.

وبقِيَ العاريةُ، والإذنُ في التجارة: فيصحَّان مضافَيْن أيضًا. عمادية.

وما لا تصحُّ إضافتُه إلى المستقبَلِ عشرةٌ:

البيعُ، وإجازتُه، وفسخُه، والقسمةُ، والشركةُ، والهبةُ.

والنكاحُ، والرَّجْعةُ.

والصلحُ عن مالٍ، والإبراءُ عن الدين؛ لأنها تمليكاتٌ للحال، فلا تُضافُ للاستقبالِ، كما لا تُعلَّقُ بالشرطِ؛ لِما فيه من معنى القِمَار.

وبقِيَ الوكالةُ، على قولِ الثاني، المفتَى به.

باب الصَّرْف

عَنْوَنَه بالباب، لا بالكتاب: لأنه من أنواعِ البيع.

١

هو لغةً: الزيادةُ.

٢

وشرعًا: بيعُ الثمنِ بالثمنِ، أي ما خُلِقَ للثمنية، ومنه: الـمَصُوغُ.

٣

جنسًا بجنسٍ، أو بغيرِ جنسٍ، كذهبٍ بفضةٍ.

٤

ويُشتَرطُ عدمُ التأجيلِ، والخيارِ.

٥

والتماثُلُ، أي التساوي وَزْنًا.

٦

والتقابُضُ بالبَرَاجِمِ، لا بالتخلية، قبلَ الافتراقِ، وهو شَرْطُ بقائِه صحيحًا، على الصحيح.

٧

إن اتَّحَدا جنسًا وإن: وصليةٌ، اختَلَفَا جَوْدَةً، وصياغَةً؛ لِما مَرَّ في الربا، وإلا، بأن لم يتجانَسَا: شُرِطَ التقابُضُ قبلَ الافتراق؛ لحُرْمةِ النَّساء.

٨

فلو باع النقدَيْن، أحدَهما بالآخَرِ جُزافًا، أو بفَضْلٍ، وتقابَضَا فيه، أي المجلسِ: صحَّ.

والعِوَضان لا يَتَعَيَّنان، حتى لو استقرضا، فأدَّيا قبلَ افتراقِهما، أو أمسكا ما أشارا إليه في العقدِ، وأدَّيا مِثْلَهما: جاز.

٩

ويَفسُدُ الصرفُ بخيار الشرطِ، والأجلِ؛ لإخلالِهما بالقبض.

١٠

ويصحُّ مع إسقاطِهما في المجلسِ، لزوالِ المانع.

وصحَّ خيارُ رؤيةٍِ، وعيبٍ في مَصُوغٍ، لا نَقْدٍ.

فرعٌ: الشرطُ الفاسدُ يَلتَحِقُ بأصلِ العقدِ عندَه، خلافًا لهما. نهر.

١١

ظَهَرَ بعضُ الثمنِ زُيوفًا، فردَّه: يَنتَقِضُ فيه فقط.

لا يتصرَّفُ في ثمنِ الصرفِ قبلَ قَبْضِه؛ لوجوبِه حقًّا لله تعالى.

١٢

لو باع دينارًا بدراهمَ، واشترى بها قبلَ قَبْضِها ثوبًا مثلًا: فَسَدَ بيعُ الثوبِ، والصرفُ بحالِه.

١٣

باع أَمَةً تَعْدِلُ ألفَ درهمٍ، مع طَوْقِ فضةٍ في عُنُقِها، قيمتُه ألفٌ، إنما بَيَّنَ قيمتَهما: ليُفيدَ انقسامَ الثمنِ على الـمُثمَنِ، أو أنه غيرُ جنسِ الطَّوْق، وإلا فالعبرةُ لوزنِ الطَّوْقِ، لا لقيمته، فقَدْرُه مقابَلٌ به، والباقي بالجارية، بألفَيْن: متعلِّقٌ بــــ: باع، ونَقَدَ من الثمنِ ألفًا، أو باعها بألفَيْن: ألفٍ نقدٍ، وألفٍ نسيئةٍ.

أو باع سيفًا، حِلْيَتُه خمسونَ، وتُخَلَّصُ بلا ضررٍ، فباعه بمائةٍ، ونَقَدَ خمسينَ: فما نَقَدَ: فهو ثمنُ الفضةِ، سواءٌ سَكَتَ، أو قال: خُذْ هذا من ثمنِهما؛ تحرِّيًا للجواز.

وكذا لو قال: هذا الـمُعَجَّلُ حصةُ السيف: لأنه اسمٌ للحِلْية أيضًا؛ لدخولِها في بيعِه تَبَعًا، ولو زاد: خاصةً: فَسَدَ البيعُ؛ لإزالته الاحتمالَ.

١٤

فإن افترقا من غيرِ قَبْضٍ: بَطَلَ في الحِلْيَةِ فقط، وصحَّ في السيفِ، إنْ تُخَلَّصُ بلا ضررٍ، كطَوْقِ الجارية، وإن لم تُخَلَّصْ إلا بضررٍ: بَطَلَ أصلًا.

والأصلُ: أنه متى بِيعَ نَقْدٌ، مع غيره، كـمُفَضَّضٍ، ومُزَرْكَشٍ بنقدٍ من جنسِه: شُرِطَ زيادةُ الثمن، فلو مِثْلَه، أو أقلَّ، أو جُهِلَ: بَطَلَ.

ولو بغير جنسِه: شُرِطَ التقابضُ فقط.

١٥

ومَن باع إناءَ فضةٍ بفضةٍ أو بذهبٍ، ونَقَدَ بعضَ ثمنِه في المجلس، ثم افترقا: صحَّ فيما قَبَضَ، واشتركا في الإناءِ؛ لأنه صرفٌ.

١٦

ولا خيارَ للمشتري؛ لتعيُّبِه من قِبَلِه بعدم نَقْدِه.

١٧

بخلاف هلاكِ أحدِ العبدَيْن قبلَ القبضِ، فيُخيَّرُ؛ لعدمِ صُنْعِه.

١٨

وإذا استُحِقَّ بعضُه، أي الإناءِ: أَخَذَ المشتري ما بقِيَ بقِسْطِه، أو رَدَّ؛ لتعيُّبِه بغير صُنْعِه.

قلتُ: ومُفادُه: تخصيصُ استحقاقِه بالبينةِ، لا بإقرارِه، فليُحرَّر.

١٩

فإن أجاز المستَحِقُّ قبلَ فَسْخِ الحاكمِ العقدَ: جاز العقدُ.

اختلفوا متى يَنفسخُ البيعُ إذا ظَهَرَ الاستحقاقُ؟ وظاهرُ الرواية: أنه لا يَنفسخُ ما لم يَفسَخْ، وهو الأصحُّ. فتح.

٢٠

وكان الثمنُ له، يأخذُه البائعُ من المشتري، ويُسَلِّمُه له إذا لم يفترقا بعدَ الإجازةِ.

ويصيرُ العاقدُ وكيلًا للـمُجيزِ، فتتعلَّقُ أحكامُ العقدِ به، دونَ المجيزِ، حتى يَبطلُ العقدُ بمفارقةِ العاقدِ دونَ المستَحِقّ. جوهرة.

٢١

ولو باع قطعةَ نُقْرَةٍ، فاستُحِقَّ بعضُها: أَخَذَ المشتري ما بقِيَ بقِسْطِه، بلا خيارٍ؛ لأن التبعيضَ لا يَضُرُّها.

٢٢

وهذا لو كان الاستحقاقُ بعدَ قَبْضِها، وإن قبلَ قَبْضِها: فله الخيارُ؛ لتفرُّقِ الصفقة، وكذا الدينارُ والدرهمُ. جوهرة.

٢٣

وصحَّ بيعُ درهمَيْن ودينارٍ، بدرهمٍ ودينارَيْن، بصَرْفِ الجنسِ بخلافِ جنسِه.

٢٤

ومثلُه: بيعُ كُرِّ بُرٍّ وكُرِّ شعيرٍ، بكُرَّيْ بُرٍّ وكُرَّيْ شعيرٍ.

و كذا بيعُ أحدَ عشرَ درهمًا بعشرةِ دراهمَ ودينارٍ.

٢٥

وصحَّ بيعُ درهمٍ صحيحٍ ودرهمَيْنِ غَلَّةٍ: بفتحِ، وتشديدٍ: ما يَرُدُّه بيتُ المالِ، ويَقبَلُه التجَّارُ، بدرهمَيْن صحيحَيْن ودرهمِ غَلَّةٍ؛ للمساواة وزنًا، وعدمِ اعتبارِ الجَوْدة.

٢٦

وصحَّ بيعُ مَن عليه عشرةُ دراهمَ دَيْنٌ، ممَّن هي له، أي من دائنه، فصحَّ بيعُه منه دينارًا بها، اتفاقًا، وتقعُ المقاصَّةُ بنفسِ العقدِ، إذ لا ربا في دينٍ سَقَطَ.

٢٧

أو بيعُه بعشرةٍ مطلَقةٍ عن التقييدِ بدَيْنٍ عليه، إن دَفَعَ البائعُ الدينارَ للمشتري، وتقاصَّا العشرةَ الثمنَ بالعشرةِ الدينِ أيضًا، استحسانًا.

٢٨

وما غَلَبَ فِضَّتُه وذَهَبُه: فضةٌ وذهبٌ، حُكْمًا، فلا يصحُّ بيعُ الخالصِ به، ولا بيعُ بعضِه ببعضٍ، إلا متساويًا وزنًا.

وكذا لا يصحُّ الاستقراضُ بها إلا وزنًا، كما مَرَّ في بابِه.

٢٩

والغالبُ عليه الغِشُّ منهما: في حُكْمِ عُروضٍ؛ اعتبارًا للغالب.

٣٠

فيصحُّ بيعُه بالخالِصِ إن كان الخالِصُ أكثَرَ من المغشوشِ؛ ليكونَ قَدْرُه: بمِثْله، والزائدُ: بالغِش، كما مَرَّ.

٣١

وبجنسِه متفاضلًا وزنًا، وعددًا، بصرفِ الجنسِ لخلافِه، بشَرْطِ التقابضِ قبلَ الافتراق، في المجلسِ، في الصورتَيْن؛ لضرَرِ التمييز.

٣٢

وإن كان الخالِصُ مثلَه، أي مثلَ المغشوشِ، أو أقلَّ منه، أوْ لا يُدرَى: فلا يصحُّ البيعُ؛ للربا في الأوَّلَيْن، ولاحتمالِه في الثالثِ.

٣٣

وهو، أي الغالبُ الغِشِّ: لا يَتعيَّنُ بالتعيينِ إن راجَ؛ لثمنيَّته حينئذٍ، وإلا يَرُجْ: تعيَّنَ به، كسلعةٍ.

وإن قَبِلَه البعضُ: فكزُيوفٍ، فيَتعلَّقُ العقدُ بجنسِه زَيْفًا إن عَلِمَ البائعُ بحالِه، وإلا: فبجنسِه جيِّدًا.

٣٤

وصحَّت المبايعةُ، والاستقراضُ بما يَروجُ منه؛ عملًا بالعُرْفِ فيما لا نَصَّ فيه، فإن راجَ وزنًا: فبِه، أو عددًا: فبِه، أو بهما: فبكُلٍّ منهما.

٣٥

والمتساوي غِشُّه، وفِضَّتُه، أو ذهبُه: كغالبِ الفضةِ والذهبِ في تبايعٍ، واستقراضٍ، فلم يَجُزْ إلا بالوزنِ، إلا إذا أشار إليهما، كما في الخالصة.

٣٦

و أما في الصرفِ: فــ كغالبِ غِشٍّ، فيصحُّ بالاعتبارِ المارِّ.

٣٧

اشترى شيئًا به، بغالبِ الغشِّ، وهو نافقٌ، أو بفُلُوسٍ نافِقَةٍ، فكسَدَ ذلك قبلَ التسليمِ للبائع: بَطَلَ البيعُ، كما لو انقطَعَتْ عن أيدي الناسِ: فإنه كالكساد.

وكذا حُكْمُ الدراهمِ لو كَسَدَتْ، أو انقطعت: بَطَلَ.

وصحَّحاه بقيمةِ المبيع، وبه يُفتى؛ رِفْقًا بالناس. بحر، وحقائق.

٣٨

وحَدُّ الكساد: أن تُتْرَكَ المعاملةُ بها في جميع البلادِ، فلو راجَتْ في بعضِها: لم يبطُلْ، بل يتخيَّرُ البائعُ؛ لتعيُّبِها.

٣٩

وحَدُّ الانقطاعِ: عدمُ وجودِه في السوقِ وإن وُجِدَ في أيدي الصيارِفَةِ، وفي البيوتِ.

كذا ذَكَرَه العينيُّ، وابنُ مَلَكٍ: بالعَطْفِ، خلافًا لِما في نُسَخِ المصنِّفِ، وقد عَزَاه للهداية، ولم أرَه فيها، والله تعالى أعلم.

وفي البزازية: لو راجَتْ قبلَ فَسْخِ البائعِ البيعَ: عاد جائزًا؛ لعدم انفساخِ العقدِ بلا فَسْخٍ.

وعليه: فقولُ المصنِّفُ: بَطَلَ البيعُ، أي ثَبَتَ للبائع ولايةُ فَسْخِه، والله الموفِّقُ.

٤٠

و قيَّد بـــ: الكساد: لأنه لو نَقَصَتْ قيمتُها قبلَ القبضِ: فالبيعُ على حالِه، إجماعًا، ولا يتخيَّرُ البائع.

٤١

وعكسُه: لو غَلَتْ قيمتُها، وازدادَتْ: فكذلك البيعُ على حالِه، ولا يَتخيَّرُ المشتري، ويُطالَبُ بنقدِ ذلك العِيَارِ الذي كان وَقَعَ وقتَ البيع. فتح.

٤٢

وقيَّدَ بقولِه: قبلَ التسليم: لأنه لو باع دَلَّالٌ، وكذا فضوليٌّ متاعَ الغيرِ بغيرِ إذنِه، بدراهمَ معلومةٍ، واستوفاها، فكَسَدَتْ قبلَ دَفْعِها إلى ربِّ المتاعِ: لا يَفسُدُ البيعُ؛ لأن حقَّ القبضِ له. عيني، وغيره.

٤٣

وصحَّ البيعُ بالفلوسِ النافقةِ وإن لم تُعيَّن، كالدراهم.

٤٤

وبالكاسدةِ: لا، حتى يُعَيِّنَها، كسِلَعٍ.

٤٥

ويجبُ على المستقرِضِ رَدُّ مثلِ أَفْلُسِ القرضِ إذا كَسَدَتْ.

وأوجَبَ محمدٌ قيمتَها يومَ الكسادِ، وعليه الفتوى. بزازية.

وفي النهر: وتأخيرُ صاحبِ الهداية دليلَهما: ظاهرٌ في اختيارِ قولِهما.

٤٦

اشترى شيئًا بنصفِ درهمٍ مثلًا، فلوسٍ: صحَّ بلا بيانِ عددِها؛ للعلمِ به، وعليه فلوسٌ تُباعُ بنصفِ درهمٍ، وكذا بثُلُثِ درهمٍ، أو رُبُعِه.

وكذا لو اشترى بدرهمٍ فلوسٍ، أو بدرهمَيْن فلوسٍ: جاز عند الثاني، وهو الأصحُّ، للعُرْفِ. كافي.

٤٧

ومَن أعطى صَيْرَفِيًّا درهمًا كبيرًا، فقال: أعطِني به نصفَ درهمٍ فلوسًا: بالنصب: صفةُ: نصفَ، ونِصْفًا من الفضةِ صغيرًا، إلا حبةً: صحَّ، ويكونُ النصفُ إلا حبةً: بمِثْلِه، وما بقِيَ: بالفلوس.

ولو كرَّرَ لفظَ: نصف: بَطَلَ في الكلِّ؛ للُزومِ الربا.

٤٨

وبما تقرَّر: ظَهَرَ أنَّ الأموالَ ثلاثةٌ:

٤٩

الأولُ: ثَمَنٌ بكلِّ حالٍ، وهو النَّقْدان، صَحِبَتْه الباءُ أو لا، قوبِلَ بجنسِه أو لا.

٥٠

والثاني: مَبيعٌ بكلِّ حالٍ، كالثياب، والدوابِّ.

والثالثُ: ثَمَنٌ من وجهٍ، مَبيعٌ من وجهٍ، كالـمِثليَّات، فإنِ اتصلَتْ بها الباء: فثمنٌ، وإلا: فـمَبيعٌ.

وأما الفلوسُ: فإنْ رائجةً: فكثمنٍ، وإلا: فكسِلَعٍ.

٥١

و الثَّمَنُ مِن حُكْمِه:

عدمُ اشتراطِ وجودِه في مِلكِ العاقدِ عندَ العقد.

وعدمُ بطلانِه، أي العقدِ بهلاكِه، أي الثمن.

٥٢

ويصحُّ الاستبدالُ به في غيرِ الصرف، والسَّلَمِ، لا فيهما.

٥٣

وحُكْمُ الـمَبيعِ: خلافُه، أي الثمنِ، في الكلِّ، فيُشترَطُ وجودُ المبيعِ في مِلْكِه، وهكذا.

ومِن حُكْمِهما: وجوبُ التساوي عند المقابلةِ بالجنسِ في المقدَّراتِ، كما تقرَّر.

تَذْنيبٌ في بيع العِينةِ، ويأتي مَتْنًا في الكفالة.

وبيعِ التلجئة، ويأتي مَتْنًا في الإقرار، وهو: أن يُظهِرَا عقدًا، وهما لا يُريدانه، يُلجَأُ إليه لخوفِ عدوٍّ.

وهو ليس ببيعٍ في الحقيقة، بل كالهَزْلِ، كما بَسَطْتُه في آخر شَرْحِي على المنار، ونَقَلْتُ عن التلويح أنَّ الأقسامَ ثمانيةٌ وسبعون.

وعَقَدَ له قاضي خان فصلًا آخِرَ الإكراه، ملخَّصُه: أنه بيعٌ منعقِدٌ، غيرُ لازمٍ، كالبيع بالخيار، وجَعَلَه الباقانيُّ فاسدًا.

ولو ادَّعى أحدُهما بيعَ التلجئة، وأنكَرَ الآخَرُ: فالقولُ لمدَّعي الجدِّ بيمينه، ولو بَرْهَنَ أحدُهما: قُبِلَ، ولو برهنا: فالتلجئة.

ولو تبايعا في العلانية، إنِ اعترفا ببنائه على التلجئة: فالبيعُ باطلٌ؛ لاتفاقِهِما أنهما هَزَلا به، وإلا: فلازِمٌ.

ولو لم تَحضُرْهما نيةٌ: فباطلٌ، على الظاهر. منية.

قلتُ: ومُفادُه: أنهما لو تواضَعَا على الوفاءِ قَبْلَ العقدِ، ثم عَقَدا خاليًا عن شَرْطِ الوفاءِ: فالعقدُ جائزٌ، ولا عبرةَ للمُواضَعَة.

وبيعُ الوفاءِ: ذكرتُه هنا تَبَعًا للدرر، وصورتُه: أن يبيعَه العَيْنَ بألفٍ، على أنه إذا رَدَّ عليه الثمنَ: ردَّ عليه العينَ.

وسمَّاه الشافعية بالرهنِ الـمُعاد.

ويُسمَّى بمصر: بيعَ الأمانة، وبالشام: بيعَ الإطاعة.

قيل: هو رَهْنٌ، فتُضمَنُ زوائدُه، وقيل: بيعٌ، يُفيدُ الانتفاعَ به، وفي إقالةِ شرح المجمع عن النهاية: وعليه الفتوى.

وقيل: إنْ بلفظ: البيع: لم يكن رهنًا.

ثم إن ذَكَرَا الفسخَ فيه، أو قَبْلَه، أو زَعَمَاه غيرَ لازمٍ: كان بيعًا فاسدًا.

ولو بعدَه على وجهِ الميعادِ: جاز، ولَزِمَ الوفاءُ به؛ لأن المواعيدَ قد تكونُ لازمةً؛ لحاجةِ الناس.

وهو الصحيحُ، كما في الكافي، والخانية، وأقرَّه خُسْرو هنا، والمصنِّفُ في باب الإكراه، وابنُ مَلك في بابِ الإقالةِ بزيادة.

وفي الظهيرية: لو ذَكَرَ الشرطَ بعدَ العقدِ: يَلتحِقُ بالعقد، عند أبي حنيفة، ولم يَذكُرْ أنه في مجلسِ العقدِ، أو بعدَه.

وفي البزازية: ولو باعَه لآخَرَ باتًّا: توقَّفَ على إجازةِ مُشتَرِيه وفاءً، ولو باعه المشتري: فللبائع، أو ورثتِه حقُّ الاسترداد.

وأفاد في الشرنبلالية أنَّ ورثةَ كلٍّ من البائعِ والمشتري تقومُ مَقامَ مورِّثِها؛ نظرًا لجانبِ الرهن، فليُحفَظ.

ولو استأجره بائعُه: لا يلزمُه الأجرُ؛ لأنه رهنٌ حُكْمًا، حتى لا يَحِلَّ الانتفاعُ به.

قلتُ: وفي فتاوى ابن الشِّلْبي: إنْ صَدَرَتِ الإجارةُ بعدَ قَبْضِ المشتري المبيعَ وفاءً ولو للبناء وحدَه: فهي صحيحةٌ.

والأجرةُ لازمةٌ للبائع طولَ مدةِ التآجُرِ. انتهى، فتنبَّه.

قلتُ: وعليه: فلو مَضَتِ المدةُ، وبقِيَ في يدِه: فأفتى علماءُ الرومِ بلُزومِ أجرِ الـمِثلِ، ويُسمُّونه: بيعَ الاستغلال.

وفي الدرر: صحَّ بيعُ الوفاءِ في العقارِ، استحسانًا، واختُلِفَ في المنقول.

وفي الملتقط، والمنية: اختلَفَا أنَّ البيعَ باتٌّ أو وفاءٌ، جِدٌّ أو هَزْلٌ؟

فالقولُ لمدَّعي الجِدِّ والبتاتِ، إلا بقرينةِ الهزلِ والوفاء.

قلتُ: لكنه ذَكَرَ في الشهادات: أنَّ القولَ لمدَّعي الوفاءِ؛ استحسانًا، كما سيجيءُ، فليُحفَظ.

ولو قال البائعُ: بعتُكَ بيعًا باتًّا: فالقولُ له، إلا أنْ يَدُلَّ على الوفاءِ، بنقصانِ الثمنِ كثيرًا، إلا أنْ يدَّعِيَ صاحبُه تغيُّرَ السعر.

وفي الأشباه، في أواخِرِ قاعدةِ: العادةُ مُحكّمةٌ، عن المنية.

لو دَفَعَ غَزْلًا إلى حائِكٍ ليَنْسُجَه بالنصف: جوّزه مشايخُ بخارى للعُرْف.

ثم نَقَلَ في آخِرِها عن إجارةِ البزازية: أنَّ به أفتى مشايخُ بَلْخٍ، وخُوارِزِمَ، وأبو عليٍّ النَّسَفي أيضًا.

قال: والفتوى على جوابِ الكتابِ: للطحَّان؛ لأنه منصوصٌ عليه، فيَلزَمُ إبطالُ النصِّ.

وفيها، من البيع الفاسد، القولُ السادسِ: في بيعِ الوفاء: أنه صحيحٌ؛ لحاجةِ الناس؛ فِرارًا من الربا.

وقالوا: ما ضاق على الناسِ أمْرٌ: إلا اتسع حُكْمُه.

ثم قال: والحاصلُ: أنَّ المذهبَ عدمُ اعتبارِ العُرْفِ الخاصِّ، ولكن أفتى كثيرٌ باعتباره.

فأقولُ على اعتباره: ينبغي أن يُفتى بأنَّ ما يقعُ في بعضِ الأسواقِ من خُلُوِّ الحوانيت: لازمٌ ويصيرُ الخُلُوُّ في الحانوتِ حقًّا له، فلا يَملِكُ صاحبُ الحانوتِ إخراجَه منها، ولا إجارتَها لغيره، ولو كانت وَقْفًا.

وكذا أقولُ على اعتبارِ العُرْفِ الخاصِّ: قد تعارَفَ الفقهاءُ النزولَ عن الوظائفِ بمالٍ يُعطى لصاحبِها، فينبغي الجوازُ.

وأنه لو نَزَلَ له، وقَبَضَ منه المبلغَ، ثم أراد الرجوعَ: لا يَملِكُ ذلك، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم.

قلت: وأيَّدَه في زواهر الجواهر بما في واقعات الضريري: رجلٌ في يدِه دكانٌ، فغاب، فرَفَعَ المتولِّي أمرَه للقاضي، فأمَرَه القاضي بفَتْحِه، وإجارتِه، ففَعَلَ المتولِّي ذلك، وحَضَرَ الغائبُ: فهو أَوْلى بدكانه.

وإن كان لو خُلُوٌّ: فهو أَوْلى بخُلُوِّه أيضًا، وله الخيارُ في ذلك، فإن شاءَ فَسَخَ الإجارةَ، وسَكَنَ في دكانه، وإن شاء أجازها، ورَجَعَ بخُلُوِّه على المستأجر.

ويُؤمَرُ المستأجِرُ بأداء ذلك إن رضِيَ به، وإلا: يُؤمَرُ بالخروجِ من الدكان، والله تعالى أعلم. اهـ بلَفْظِه.

سندُ وأعلامُ المذهبِ الحنفيّ

سندُ المذهبِ وأعلامُه في مسارٍ زمنيٍّ واحدٍ من رسولِ اللهِ ﷺ والصحابةِ إلى المحقّقين — انقُر أيَّ عَلَمٍ لترجمته